فصل: سورة الرحمن

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البحر المحيط في تفسير القرآن ***


سورة القمر

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 17‏]‏

‏{‏اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ ‏(‏1‏)‏ وَإِنْ يَرَوْا آَيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ ‏(‏2‏)‏ وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ ‏(‏3‏)‏ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ ‏(‏4‏)‏ حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ ‏(‏5‏)‏ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ ‏(‏6‏)‏ خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ ‏(‏7‏)‏ مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ ‏(‏8‏)‏ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ ‏(‏9‏)‏ فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ ‏(‏10‏)‏ فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ ‏(‏11‏)‏ وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ ‏(‏12‏)‏ وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ ‏(‏13‏)‏ تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ ‏(‏14‏)‏ وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آَيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ‏(‏15‏)‏ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ ‏(‏16‏)‏ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآَنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ‏(‏17‏)‏‏}‏

قال‏:‏ ‏{‏اقتربت الساعة‏}‏‏.‏ وممن عاين انشقاق القمر ابن مسعود جبير بن مطعم، وأخبر به ابن عمر وأنس وحذيفة وابن عباس‏.‏ وحين أرى الله الناس انشقاق القمر، قال الرسول صلى الله عليه وسلم‏:‏ «اشهدوا»، وقال المشركون إذ ذاك‏:‏ سحرنا محمد‏.‏ وقال بعضهم‏:‏ سحر القمر‏.‏ والأمة مجمعة على خلاف من زعم أن قوله‏:‏ ‏{‏وانشق القمر‏}‏ معناه‏:‏ أنه ينشق يوم القيامة، ويرده من الآية قوله‏:‏ ‏{‏وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر‏}‏‏.‏ فلا يناسب هذا الكلام أن يأتي إلا بعد ظهور ما سألوه معيناً من انشقاق القمر‏.‏ وقيل‏:‏ سألوا آية في الجملة، فأراهم هذه الآية السماوية، وهي من أعظم الآيات، وذلك التأثير في العالم العلوي‏.‏ وقرأ حذيفة‏:‏ وقد انشق القمر، أي اقتربت، وتقدم من آيات اقترابها انشقاق القمر، كما تقول‏:‏ أقبل الأمير وقد جاء المبشر بقدومه‏.‏ وخطب حذيفة بالمدائن، ثم قال‏:‏ ألا إن الساعة قد اقتربت، وإن القمر قد انشق على عهد نبيكم، ولا التفات إلى قول الحسن أن المعنى‏:‏ إذ جاءت الساعة انشق القمر بعد النفخة الثانية، ولا إلى قول من قال‏:‏ إن انشقاقه عبارة عن انشقاق الظلمة عند طلوعه في أثنائها، فالمعنى‏:‏ ظهر الأمر، فإن العرب تضرب بالقمر مثلاً فيما وضح، كما يسمى الصبح فلقاً عند انفلاق الظلمة عنه، وقد يعبر عن الانفلاق بالانشقاق‏.‏ قال النابغة‏:‏

فلما أدبروا ولهم دويّ *** دعانا عند شق الصبح داعي

وهذه أقوال فاسدة، ولولا أن المفسرين ذكروها، لأضربت عن ذكرها صفحاً‏.‏ ‏{‏وإن يروا آية يعرضوا‏}‏، وقرئ‏:‏ وإن يروا مبنياً للمفعول‏:‏ أي من شأنهم وحالتهم أنهم متى رأوا ما يدل على صدق الرسول الله صلى الله عليه وسلم من الآيات الباهرة أعرضوا عن الإيمان به وبتلك الآية‏.‏ وجاءت الجملة شرطية ليدل على أنهم في الاستقبال على مثل حالهم في الماضي، ويقولوا‏:‏ ‏{‏سحر مستمر‏}‏‏:‏ أي دائم، ومنه قول الشاعر‏:‏

ألا إنما الدنيا ليال وأعصر *** وليس على شيء قويم بمستمر

لما رأوا الآيات متوالية لا تنقطع، قالوا ذلك‏.‏ وقال أبو العالية والضحاك والأخفش‏:‏ مستمر‏:‏ مشدود موثق من مرائر الحبل، أي سحر قد أحكم، ومنه قول الشاعر‏:‏

حتى استمرت على سر مريرته *** صدق العزيمة لا رياً ولا ضرعا

وقال أنس ويمان ومجاهد والكسائي والفراء، واختاره النحاس‏:‏ مستمر‏:‏ مار ذاهب زائل عن قريب، عللوا بذلك أنفسهم‏.‏ وقيل مستمر‏:‏ شديد المرارة، أي مستبشع عندنا مر، يقال‏:‏ مر الشيء وأمر، إذا صار مراً، وأمر غيره ومره، يكون لازماً ومتعدياً‏.‏ وقيل‏:‏ مستمر‏:‏ يشبه بعضه بعضاً، أي استمرت أفعاله على هذا الوجه من التخيلات‏.‏ وقيل‏:‏ مستمر‏:‏ مار من الأرض إلى السماء، أي بلغ من سحره أنه سحر القمر‏.‏

‏{‏وكذبوا‏}‏‏:‏ أي بالآيات وبمن جاء بها، أي قالوا هذا سحر مستمر سحرنا محمد‏.‏ ‏{‏واتبعوا أهواءهم‏}‏‏:‏ أي شهوات أنفسهم وما يهوون‏.‏ ‏{‏وكل أمر مستقر‏}‏، بكسر القاف وضم الراء‏:‏ مبتدأ وخبر‏.‏ قال مقاتل‏:‏ أي له غاية ينتهي إليها‏.‏ وقال الكلبي‏:‏ مستقرّ له حقيقة، فما كان في الدنيا فسيظهر، وما كان في الآخرة فسيعرف‏.‏ وقال قتادة‏:‏ معناه أن الخير يستقر بأهل الخير، والشر بأهل الشر‏.‏ وقيل‏:‏ يستقر الحق ظاهراً ثابتاً، والباطل زاهقاً ذاهباً‏.‏ وقيل‏:‏ كل أمر من أمرهم وأمره يستقر على خذلان أو نصرة في الدنيا وسعادة، أو شقاوة في الآخرة‏.‏ وقرأ شيبة‏:‏ مستقر بفتح القاف، ورويت عن نافع؛ وقال أبو حاتم‏:‏ لا وجه لفتح القاف‏.‏ انتهى‏.‏ وخرجت على حذف مضاف، أي ذو استقرار، وزمان استقرار‏.‏ وقرأ أبو جعفر وزيد بن علي‏:‏ مستقر بكسر القاف والراء معاً صفة لأمر‏.‏ وخرجه الزمخشري على أن يكون وكل عطفاً على الساعة، أي اقتربت الساعة، واقترب كل أمر مستقر يستقر ويتبين حاله، وهذا بعيد لطول الفصل بجمل ثلاث، وبعيد أن يوجد مثل هذا التركيب في كلام العرب، نحو‏:‏ أكلت خبزاً وضربت زيداً، وأن يجيء زيد أكرمه ورحل إلى بني فلان ولحماً، فيكون ولحماً عطفاً على خبزاً، بل لا يوجد مثله في كلام العرب‏.‏ وخرجه صاحب اللوامح على أنه خبر لكل، فهو مرفوع في الأصل، لكنه جر للمجاورة، وهذا ليس بجيد، لأن الخفض على الجوار في غاية الشذوذ، ولأنه لم يعهد في خبر المبتدأ، إنما عهد في الصفة على اختلاف النحاة في وجوده، والأسهل أن يكون الخبر مضمراً لدلالة المعنى عليه، والتقدير‏:‏ ‏{‏وكل أمر مستقر‏}‏ بالغوه، لأن قبله‏:‏ ‏{‏وكذبوا واتبعوا أهواءهم‏}‏‏:‏ أي وكل أمر مستقر لهم في القدر من خير أو شر بالغه هم‏.‏ وقيل‏:‏ الخبر حكمة بالغة، أي وكل أمر مستقر حكمة بالغة‏.‏ ويكون‏:‏ ‏{‏ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر‏}‏ اعتراض بين المبتدأ وخبره‏.‏

‏{‏ولقد جاءهم من الأنباء‏}‏‏:‏ أي من الأخبار الواردة في القرآن في إهلاك من كذب الأنبياء وما يؤولون إليه في الآخرة، ‏{‏ما فيه مزدجر‏}‏‏:‏ أي ازدجار رادع لهم عن ما هم فيه، أو موضع ازدجار وارتداع، أي ذلك موضع ازدجار، أو مظنة له‏.‏ وقرئ مزجر، بإبدال تاء الافتعال زاياً وإدغام الزاي فيها‏.‏ وقرأ زيد بن علي‏:‏ مزجر اسم فاعل من أزجر، أي صار ذا زجر، كأعشب‏:‏ أي صار ذا عشب‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏حكمة بالغة‏}‏ برفعهما، وجوزوا أن تكون حكمة بدلاً من مزدجر أو من ما، أو خبر مبتدأ محذوف، وتقدم قول من جعله خبراً عن كل في قراءة من قرأ مستقر بالجر‏.‏ وقرأ اليماني‏:‏ حكمة بالغة بالنصب فيهما حالاً من ما، سواء كانت ما موصولة أم موصوفة تخصصت بالصفة، ووصفت الحكمة ببالغة لأنها تبلغ غيرها‏.‏

‏{‏فما تغنى النذر‏}‏ مع هؤلاء الكفرة‏.‏

ثم سلى رسوله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ ‏{‏فتول عنهم‏}‏ أي أعرض عنهم، فإن الإنذار لا يجدي فيهم‏.‏ ثم ذكر شيئاً من أحوال الآخرة وما يؤولون إليه، إذ ذاك متعلق باقتراب الساعة، فقال‏:‏ ‏{‏يوم يدعو الداعي‏}‏، والناصب ليوم اذكر مضمرة، قاله الرماني، أو يخرجون‏.‏ وقال الحسن‏:‏ المعنى‏:‏ فتول عنهم إلى يوم، وهذا ضعيف من جهة اللفظ ومن جهة المعنى‏.‏ أما من جهة اللفظ فحذف إلى، وأما من جهة المعنى فإن توليه عنهم ليس مغياً بيوم يدع الداع‏.‏ وجوزوا أن يكون منصوباً بقوله‏:‏ ‏{‏فما تغني النذر‏}‏، ويكون ‏{‏فتول عنهم‏}‏ اعتراضاً، وأن يكون منصوباً بقوله‏:‏ ‏{‏يقول الكافرون‏}‏، ومنصوباً على إضمار انتظر، ومنصوباً بقوله‏:‏ ‏{‏فتول‏}‏، وهذا ضعيف جداً، ومنصوباً بمستقر، وهو بعيد أيضاً‏.‏ وحذفت الواو من يدع في الرسم اتباعاً للنطق، والياء من الداع تخفيفاً أجريت أل مجرى ما عاقبها، وهو التنوين‏.‏ فكما تحذف معه حذفت معها، والداع هو إسرافيل، أو جبرائيل، أو ملك غيرهما موكل بذلك، أقوال‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏نكر‏}‏ بضم الكاف، وهو صفة على فعل، وهو قليل في الصفات، ومنه رجل شلل‏:‏ أي خفيف في الحاجة، وناقة أجد، ومشية سجح، وروضة أنف‏.‏ وقرأ الحسن وابن كثير‏:‏ وشبل بإسكان الكاف، كما قالوا‏:‏ شغل وشغل، وعسر وعسر‏.‏ وقرأ مجاهد وأبو قلابة والجحدري وزيد بن علي‏:‏ نكر فعلاً ماضياً مبنياً للمفعول، أي جهل فنكر‏.‏ وقال الخليل‏:‏ النكر نعت للأمر الشديد، والوجل الداهية، أي تنكره النفوس لأنها لم تعهد مثله، وهو يوم القيامة‏.‏ قال مالك بن عوف النضري‏:‏

أقدم محاج أنه يوم نكر *** مثلي على مثلك يحمي ويكر

وقرأ قتادة وأبو جعفر وشيبة والأعرج والجمهور‏:‏ خشعاً جمع تكسير؛ وابن عباس وابن جبير ومجاهد والجحدري وأبو عمرو وحمزة والكسائي‏:‏ خاشعاً بالإفراد‏.‏ وقرأ أبيّ وابن مسعود‏:‏ خاشعة، وجمع التكسير أكثر في كلام العرب‏.‏ وقال الفراء وأبو عبيدة‏:‏ كله جائز‏.‏ انتهى، ومثال جمع التكسير قول الشاعر‏:‏

بمطرد لذن صحاح كعربه *** وذي رونق عضب يقد الوانسا

ومثال الإفراد قوله‏:‏

ورجال حسن أوجههم *** من أياد بن نزار بن معد

وقال آخر‏:‏

ترمي الفجاج به الركبان معترضاً *** أعناق بزلها مرخى لها الجدل

وانتصب خشعاً وخاشعا وخاشعة على الحال من ضمير يخرجون، والعامل فيه يخرجون، لأنه فعل متصرف، وفي هذا دليل على بطلان مذهب الجرمى، لأنه لا يجوز تقدم الحال على الفعل وإن كان متصرفاً‏.‏ وقد قالت العرب‏:‏ شتى تؤب الحلبة، فشتى حال، وقد تقدمت على عاملها وهو تؤب، لأنه فعل متصرف، وقال الشاعر‏:‏

سريعاً يهون الصعب عند أولي النهى *** إذا برجاء صادق قابلوه البأسا

فسريعاً حال، وقد تقدمت على عاملها، وهو يهون‏.‏

وقيل‏:‏ هو حال من الضمير المجرور في عنهم من قوله‏:‏ ‏{‏فتول عنهم‏}‏ وقيل‏:‏ هو مفعول بيدع، أي قوماً خشعاً، أو فريقاً خشعاً، وفيه بعد‏.‏ ومن أفرد خاشعاً وذكر، فعلى تقدير تخشع أبصارهم؛ ومن قرأ خاشعة وأنث، فعلى تقدير تخشع؛ ومن قرأ خشعاً جمع تكسير، فلأن الجمع موافق لما بعده، وهو أبصارهم، وموافق للضمير الذي هو صاحب الحال في يخرجون، وهو نظير قولهم‏:‏ مررت برجال كرام آباؤهم‏.‏ وقال الزمخشري‏:‏ وخشعاً على يخشعن أبصارهم، وهي لغة من يقول‏:‏ أكلوني البراغيث، وهم طيء‏.‏ انتهى‏.‏ ولا يجري جمع التكسير مجرى جمع السلامة، فيكون على تلك اللغة النادرة القليلة‏.‏

وقد نص سيبويه على أن جمع التكسير أكثر في كلام العرب، فكيف يكون أكثر، ويكون على تلك اللغة النادرة القليلة‏؟‏ وكذا قال الفراء حين ذكر الإفراد مذكراً ومؤنثاً وجمع التكسير، قال‏:‏ لأن الصفة متى تقدمت على الجماعة جاز فيها جميع ذلك، والجمع موافق للفظها، فكان أشبه‏.‏ انتهى‏.‏ وإنما يخرج على تلك اللغة إذا كان الجمع مجموعاً بالواو والنون نحو‏:‏ مررت بقوم كريمين آباؤهم‏.‏ والزمخشري قاس جمع التكسير على هذا الجمع السالم، وهو قياس فاسد، ويزده النقل عن العرب أن جمع التكسير أجود من الإفراد، كما ذكرناه عن سيبويه، وكما دل عليه كلام الفراء؛ وجوز أن يكون في خشعاً ضمير، وأبصارهم بدل منه‏.‏ وقرئ‏:‏ خشع أبصارهم، وهي جملة في موضع الحال، وخشع خبر مقدم، وخشوع الأبصار كناية عن الذلة، وهي في العيون أظهر منها في سائر الجوارح؛ وكذلك أفعال النفس من ذلة وعزة وحياء وصلف وخوف وغير ذلك‏.‏

‏{‏كأنهم جراد منتشر‏}‏‏:‏ جملة حالية أيضاً، شبههم بالجراد في الكثرة والتموج، ويقال‏:‏ جاءوا كالجراد في الجيش الكثير المتموج، ويقال‏:‏ كالذباب‏.‏ وجاء تشبيههم أيضاً بالفراش المبثوث، وكل من الجراد والفراش في الخارجين يوم الحشر شبه منهما‏.‏ وقيل‏:‏ يكونون أولاً كالفراش حين يموجون فزعين لا يهتدون أين يتوجهون، لأن الفراش لا جهة له يقصدها، ثم كالجراد المنتشر إذا توجهوا إلى المحشر والداعي، فهما تشبيهان باعتبار وقتين، قال معناه مكي بن أبي طالب‏.‏ ‏{‏مهطعين‏}‏، قال أبو عبيدة‏:‏ مسرعين، ومنه قوله‏:‏

بدجلة دارهم ولقد أراهم *** بدجلة مهطعين إلى السماع

زاد غيره‏:‏ مادّي أعناقهم، وزاد غيره‏:‏ مع هز ورهق ومد بصر نحو المقصد، إما لخوف أو طمع ونحوه‏.‏ وقال قتادة‏:‏ عامدين‏.‏ وقال الضحاك‏:‏ مقبلين‏.‏ وقال عكرمة‏:‏ فاتحين آذانهم إلى الصوت‏.‏ وقال ابن عباس‏:‏ ناظرين‏.‏ ومنه قول الشاعر‏:‏

تعبدني نمر بن سعد وقد أرى *** ونمر بن سعد لي مطيع ومهطع

وقيل‏:‏ خافضين ما بين أعينهم‏.‏ وقال سفيان‏:‏ خاشعة أبصارهم إلى السماء‏.‏ ‏{‏يوم عسر‏}‏، لما يشاهدون من مخايل هوله، وما يرتقبون من سوء منقلبهم فيه‏.‏ ‏{‏كذبت قبلهم‏}‏‏:‏ أي قبل قريش، ‏{‏قوم نوح‏}‏ وفيه وعيد لقريش وضرب مثل لهم‏.‏

ومفعول كذبت محذوف، أي كذبت الرسل، فكذبوا نوحاً عليه السلام‏.‏ لما كانوا مكذبين بالرسل جاحدين للنبوة رأساً، كذبوا نوحاً لأنه من جملة الرسل‏.‏ ويجوز أن يكون المحذوف نوحاً أول مجيئه إليهم، فكذبوه تكذيباً يعقبه تكذيب‏.‏ كلما مضى منهم قرن مكذب، تبعه قرن مكذب‏.‏ وفي لفظ عبدنا تشريف وخصوصية بالعبودية، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان‏}‏ ‏{‏سبحان الذي أسرى بعبده‏}‏ ‏{‏وقالوا مجنون‏}‏‏:‏ أي هو مجنون‏.‏ لما رأوا الآيات الدالة على صدقه قالوا‏:‏ هو مصاب الجن، لم يقنعوا بتكذيبه حتى نسبوه إلى الجنون، أي يقول ما لا يقبله عاقل، وذلك مبالغة في تكذيبهم‏.‏

‏{‏وازدجر فدعا ربه أني مغلوب‏}‏، الظاهر أن قوله‏:‏ ‏{‏وازدجر‏}‏ من أخبار الله تعالى، أي انتهروه وزجروه بالسبب والتخويف، قاله ابن زيد وقرأ‏:‏ ‏{‏لئن لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين‏}‏‏.‏ قيل‏:‏ والمعنى أنهم فعلوا به ما يوجب الانزجار من دعائهم حتى ترك دعوتهم إلى الإيمان وعدل إلى الدعاء عليهم‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ وازدجر من تمام قولهم، أي قالوا وازدجر‏:‏ أي استطير جنوناً، أي ازدجرته الجن وذهبت بلبه وتخبطته‏.‏ وقرأ ابن إسحاق وعيسى والأعمش وزيد بن عليّ، ورويت عن عاصم‏:‏ إني بكسر الهمزة، على إضمار القول على مذهب البصريين، أو على إجراء الدعاء مجرى القول على مذهب الكوفيين‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ بفتحها، أي بأني مغلوب، أي غلبني قومي، فلم يسمعوا مني، ويئست من إجابتهم لي‏.‏ ‏{‏فانتصر‏}‏‏:‏ أي فانتقم بعذاب تبعثه عليهم‏.‏ وإنما دعا عليهم بعد ما يئس منهم وتفاقم أمرهم، وكان الواحد من قومه يخنقه إلى أن يخر مغشياً عليه، وقد كان يقول‏:‏ اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون، ومتعلق ‏{‏فانتصر‏}‏ محذوف‏.‏ وقيل‏:‏ التقدير فانتصر لي منهم بأن تهلكهم‏.‏ وقيل‏:‏ فانتصر لنفسك، إذ كذبوا رسولك فوقعت الإجابة‏.‏ وللمتصوفة قول في ‏{‏مغلوب فانتصر‏}‏ حكاه ابن عطية، يوقف عليه في كتابه‏.‏

‏{‏ففتحنا‏}‏‏:‏ بيان أن الله تعالى انتصر منهم وانتقم‏.‏ قيل‏:‏ ومن العجب أنهم كانوا يطلبون المطر سنين، فأهلكهم الله تعالى بمطلوبهم‏.‏ ‏{‏أبواب السماء بماء‏}‏‏:‏ جعل الماء كأنه آلة يفتح بها، كما تقول‏:‏ فتحت الباب بالمفتاح، وكأن الماء جاء وفتح الباب، فجعل المقصود، وهو الماء، مقدّماً في الوجود على فتح الباب المغلق‏.‏ ويجوز أن تكون الباء للحال، أي ملتبسة بماء منهمر‏.‏ وقرأ ابن عامر وأبو جعفر والأعرج ويعقوب‏:‏ ففتحنا مشدّداً؛ والجمهور‏:‏ مخففاً، ‏{‏أبواب السماء‏}‏، هذا عند الجمهور مجاز وتشبيه، لأن المطر كثره كأنه نازل من أبواب، كما تقول‏:‏ فتحت أبواب القرب، وجرت مزاريب السماء‏.‏ وقال عليّ، وتبعه النقاش‏:‏ يعني بالأبواب المجرة، وهي سرع السماء كسرع العيبة‏.‏ وذهب قوم إلى أنها حقيقة فتحت في السماء أبواب جرى منها الماء، ومثله مروي عن ابن عباس، قال‏:‏ أبواب السماء فتحت من غير سحاب، لم تغلق أربعين يوماً‏.‏

قال السدي‏:‏ ‏{‏منهمر‏}‏‏:‏ أي كثير‏.‏ قال الشاعر‏:‏

أعينيّ جودا بالدموع الهوامر *** على خير باد من معد وحاضر

وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏وفجرنا‏}‏ بتشديد الجيم؛ وعبد الله وأصحابه وأبو حيوة والمفضل عن عاصم‏:‏ بالتخفيف؛ والمشهور أن العين لفظ مشترك‏.‏ والظاهر أنها حقيقة في العين الباصرة، مجاز في غيرها، وهو في غير الماء مجاز مشهور، غالب وانتصب عيوناً على التمييز، جعلت الأرض كلها كأنها عيون تتفجر، وهو أبلغ من‏:‏ وفجرنا عيون الأرض، ومن منع مجيء التمييز من المفعول أعربه حالاً، ويكون حالاً مقدرة، وأعربه بعضهم مفعولاً ثانياً، كأنه ضمن ‏{‏وفجرنا‏}‏‏:‏ صيرنا بالتفجير، ‏{‏الأرض عيوناً‏}‏‏.‏ وقيل‏:‏ وفجرت أربعين يوماً‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏فالتقى الماء‏}‏، وهو اسم جنس، والمعنى‏:‏ ماء السماء وماء الأرض‏.‏ وقرأ عليّ والحسن ومحمد بن كعب والجحدري‏:‏ الماءان‏.‏ وقرأ الحسن أيضاً‏:‏ الماوان‏.‏ وقال الزمخشري‏:‏ وقرأ الحسن ماوان، بقلب الهمزة واواً، كقولهم‏:‏ علباوان‏.‏ انتهى‏.‏ شبه الهمزة التي هي بدل من هاء في الماء بهمزة الإلحاق في علبا‏.‏ وعن الحسن أيضاً‏:‏ المايان، بقلب الهمزة ياء، وفي كلتا القراءتين شذوذ‏.‏ ‏{‏على أمر قد قدر‏}‏‏:‏ أي على حالة ورتبة قد فصلت في الأزل‏.‏ وقيل‏:‏ على مقادير قد رتبت وقت التقائه، فروى أن ماء الأرض كان على سبعة عشر ذراعاً، ونزل ماء السماء على تكملة أربعين ذراعاً‏.‏ وقيل‏:‏ كان ماء الأرض أكثر‏.‏ وقيل‏:‏ كانا متساويين، نزل من السماء قدر ما خرج من الأرض‏.‏

وقيل‏:‏ ‏{‏على أمر قد قدر‏}‏‏:‏ في اللوح أنه يكون، وهو هلاك قوم نوح عليه السلام بالطوفان، وهذا هو الراجح، لأن كل قصة ذكرت بعد هذه القصة ذكر الله هلاك مكذبي الرسل فيها، فيكون هذا كناية عن هلاك قوم نوح، ولذلك ذكر نجاة نوح بعدها في قوله‏:‏ ‏{‏وحملناه على ذات ألواح ودسر‏}‏‏.‏ وقرأ أبو حيوة‏:‏ قدر بشد الدال؛ والجمهور؛ بتخفيفها، وذات الألواح والدسر هي السفينة التي أنشأها نوح عليها السلام‏.‏ ويفهم من هذين الوصفين أنها السفينة، فهي صفة تقوم مقام الموصوف وتنوب عنه، ونحوه‏:‏ قميصي مسرودة من حديد، أي درع، وهذا من فصيح الكلام وبديعه‏.‏ ولو جمعت بين الصفة والموصوف فيه، لم يكن بالفصيح والدسر المسامير، قاله الجمهور‏.‏ وقال الحسن وابن عباس‏:‏ مقاديم السفينة لأنها تدسر الماء، أي تدفعه، والدسر‏:‏ الدفع‏.‏ وقال مجاهد وغيره‏:‏ بطن السفينة‏.‏ وعنه أيضاً‏:‏ عوارض السفينة‏.‏ وعنه أيضاً‏:‏ أضلاع السفينة، تجري في ذلك الماء المتلقي بحفظ منا وكلاءة، بحيث نجا من كان فيها وغرق غيرهم‏.‏

وقال مقاتل بن سليمان‏:‏ ‏{‏بأعيننا‏}‏‏:‏ بوحينا‏.‏ وقيل‏:‏ بأمرنا‏.‏ وقيل‏:‏ بأوليائنا‏.‏ يقال‏:‏ فلان عين من عيون الله تعالى‏:‏ أي ولي من أوليائه‏.‏ وقيل‏:‏ بأعين الماء التي أنبعناها‏.‏ وقيل‏:‏ من حفظها من الملائكة سماهم أعيناً‏.‏ وقرأ زيد بن علي وأبو السمال‏:‏ بأعينا بالإدغام؛ والجمهور‏:‏ بالفك‏.‏

‏{‏جزاء‏}‏‏:‏ أي مجازاة، ‏{‏لمن كان كفر‏}‏‏:‏ أي لنوح عليه السلام، إذ كان نعمة أهداها الله إلى قومه لأن يؤمنوا فكفروها، المعنى‏:‏ أنه حمله في السفينة ومن آمن معه كان جزاء له على صبره على قومه المئين من السنين، ومن كناية عن نوح‏.‏ قيل‏:‏ يعني بمن كفر لمن جحدت نبوته‏.‏ وقال ابن عباس ومجاهد‏:‏ من يراد به الله تعالى، كأنه قال‏:‏ غضباً وانتصاراً لله تعالى، أي انتصر لنفسه، فأغرق الكافرين، وأنجى المؤمنين، وهذان التأويلان في من على قراءة الجمهور‏.‏ كفر‏:‏ مبنياً للمفعول‏.‏ وقرأ مسلمة بن محارب‏:‏ بإسكان الفاء خفف فعل، كما قال الشاعر‏:‏

لو عصر منه البان والمسك انعصر *** يريد‏:‏ لو عصر‏.‏ وقرأ زيد بن رومان وقتادة وعيسى‏:‏ كفر مبنياً للفاعل، فمن يراد به قوم نوح‏:‏ أي إن ما نشأ من تفتيح أبواب السماء بالماء، وتفجر عيون الأرض، والتقاء الماءين من غرق قوم نوح عليه الصلاة والسلام، كان جزاء لهم على كفرهم‏.‏ وكفر‏:‏ خبر لكان، وفي ذلك دليل على وقوع الماضي بغير قد خبراً لكان، وهو مذهب البصريين وغيرهم‏.‏ يقول‏:‏ لا بد من قد ظاهرة أو مقدرة، على أنه يجوز إن كان هنا زائدة، أي لمن كفر، والضمير في ‏{‏تركناها‏}‏ عائد على الفعلة والقصة‏.‏ وقال قتادة والنقاش وغيرهما‏:‏ عائد على السفينة، وأنه تعالى أبقى خشبها حتى رآه بعض أوائل هذه الأمة‏.‏ وقال قتادة‏:‏ وكم من سفينة بعدها صارت رماداً‏!‏ وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏مدكر‏}‏، بإدغام الذال في الدال المبدلة من تاء الافتعال؛ وقتادة‏:‏ فيما نقل ابن عطية بالذال، أدغمه بعد قلب الثاني إلى الأول‏.‏ وقال صاحب كتاب اللوامح قتادة‏:‏ فهل من مذكر، فاعل من التذكير، أي من يذكر نفسه أو غيره بما مضى من القصص‏.‏ انتهى‏.‏ وقرئ‏:‏ مدتكر على الأصل‏.‏

‏{‏فكيف كان عذابي ونذر‏}‏‏:‏ تهويل لما حل بقوم نوح من العذاب وإعظام له، إذ قد استأصل جميعهم وقطع دابرهم، فلم ينسل منهم أحد؛ أي كيف كان عاقبة إنذاري‏؟‏ والنذر‏:‏ جمع نذير وهو الإنذار، وفيه توقيف لقريش على ما حل بالمكذبين أمثالهم‏.‏ وكان، إن كانت ناقصة، كانت كيف في موضع خبر كان؛ وإن كانت تامة، كانت في موضع نصب على الحال‏.‏ والاستفهام هنا لا يراد به حقيقته، بل المعنى على التذكير بما حل بهم‏.‏ ‏{‏ولقد يسرنا‏}‏‏:‏ أي سهلنا، ‏{‏القرآن للذكر‏}‏‏:‏ أي للإذكار والاتعاظ، لما تضمنه من الوعظ والوعد والوعيد‏.‏ ‏{‏فهل من مدكر‏}‏، قال ابن زيد‏:‏ من متعظ‏.‏ وقال قتادة‏:‏ فهل من طالب خير‏؟‏ وقال محمد بن كعب‏:‏ فهل من مزدجر عن المعاصي‏؟‏ وقيل‏:‏ للذكر‏:‏ للحفظ، أي سهلناه للحفظ، لما اشتمل عليه من حسن النظم وسلامة اللفظ، وعروه عن الحشو وشرف المعاني وصحتها، فله تعلق بالقلوب‏.‏ ‏{‏فهل من مدكر‏}‏‏:‏ أي من طالب لحفظه ليعان عليه، وتكون زواجره وعلومه حاضرة في النفس‏.‏ وقال ابن جبير‏:‏ لم يستظهر شيء من الكتب الإلهية غير القرآن‏.‏ وقيل‏:‏ يسرنا‏:‏ هيأنا ‏{‏القرآن للذكر‏}‏، كقولهم‏:‏ يسر ناقته للسفر إذا رحلها، ويسر فرسه للغزو إذا أسرجه وألجمه، قال الشاعر‏:‏

وقمت إليه باللجام ميسراً *** هنالك يجزيني الذي كنت أصنع

تفسير الآيات رقم ‏[‏18- 32‏]‏

‏{‏كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ ‏(‏18‏)‏ إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ ‏(‏19‏)‏ تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ ‏(‏20‏)‏ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ ‏(‏21‏)‏ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآَنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ‏(‏22‏)‏ كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ ‏(‏23‏)‏ فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ ‏(‏24‏)‏ أَؤُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ ‏(‏25‏)‏ سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ ‏(‏26‏)‏ إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ ‏(‏27‏)‏ وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ ‏(‏28‏)‏ فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ ‏(‏29‏)‏ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ ‏(‏30‏)‏ إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ ‏(‏31‏)‏ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآَنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ‏(‏32‏)‏‏}‏

تقدمت قصة عاد مطولة ومتوسطة، وهنا ذكرها تعالى موجزة، كما ذكر قصة نوح عليه السلام موجزة‏.‏ ولما لم يكن لقوم نوح علم، ذكر قوم مضافاً إلى نوح‏.‏ ولما كانت عاد علماً لقوم هود، ذكر العلم، لأنه أبلغ في الذكر من التعريف بالإضافة‏.‏ وتكرر التهويل بالاستفهام قبل ذكر ما حل بهم وبعده، لغرابة ما عذبوا به من الريح، وانفرادهم بهذا النوع من العذاب، ولأن الاختصار داعية الاعتبار والتدبر والصرصر الباردة، قاله ابن عباس والضحاك وقتادة‏.‏ وقيل، المصوتة والجمهور‏:‏ على إضافة يوم إلى نحس، وسكون الحاء‏.‏ وقرأ الحسن‏:‏ بتنوين يوم وكسر الحاء، جعله صفة لليوم، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏في أيام نحسات‏}‏ ‏{‏مستمر‏}‏، قال قتادة‏:‏ استمر بهم حتى بلغهم جهنم‏.‏ وعن الحسن والضحاك‏:‏ كان مراً عليهم‏.‏ وروي أنه كان يوم الأربعاء، والذي يظهر أنه ليس يوماً معيناً، بل أريد به الزمان والوقت، كأنه قيل‏:‏ في وقت نحس‏.‏ ويدل على ذلك أنه قال في سورة فصلت‏:‏ ‏{‏فأرسلنا عليهم ريحاً صرصراً في أيامٍ نحساتٍ‏}‏ وقال في الحاقة‏:‏ ‏{‏سخرها عليهم سبع ليالٍ وثمانية أيامٍ حسوماً‏}‏ إلا أن يكون ابتداء الريح في يوم الأربعاء، فعبر بوقت الابتداء، وهو يوم الأربعاء، فيمكن الجمع بينها‏.‏

‏{‏تنزع الناس‏}‏‏:‏ يجوز أن يكون صفة للريح، وأن يكون حالاً منها، لأنها وصفت فقربت من المعرفة‏.‏ ويحتمل أن يكون تنزع مستأنفاً، وجاء الظاهر مكان المضمر ليشمل ذكورهم وإناثهم، إذ لو عاد بضمير المذكورين، لتوهم أنه خاص بهم، أي تقلعهم من أماكنهم‏.‏ قال مجاهد‏:‏ يلقى الرجل على رأسه، فتفتت رأسه وعنقه وما يلي ذلك من بدنه‏.‏ وقيل‏:‏ كانوا يصطفون آخذي بعضهم بأيدي بعض، ويدخلون في الشعاب، ويحفرون الحفر فيندسون فيها، فتنزعهم وتدق رقابهم‏.‏ والجملة التشبيهية حال من الناس، وهي حال مقدرة‏.‏ وقال الطبري‏:‏ في الكلام حذف تقديره‏:‏ فتتركهم‏.‏ ‏{‏كأنهم أعجاز نخل‏}‏‏:‏ فالكاف في موضع نصب بالمحذوف شبههم، بأعجاز النخل المنقعر، إذ تساقطوا على الأرض أمواتاً وهم جثث عظام طوال‏.‏ والأعجاز‏:‏ الأصول بلا فروع قد انقلعت من مغارسها‏.‏ وقيل‏:‏ كانت الريح تقطع رؤوسهم، فتبقى أجساداً بلا رؤوس، فأشبهت أعجاز النخل التي انقلعت من مغرسها‏.‏ وقرأ أبو نهيك‏:‏ أعجز على وزن أفعل، نحو ضبع وأضبع‏.‏ والنخل اسم جنس يذكر ويؤنث، وإنما ذكر هنا لمناسبة الفواصل، وأنث في قوله‏:‏ ‏{‏أعجاز نخل خاوية‏}‏ في الحاقة لمناسبة الفواصل أيضاً‏.‏ وقرأ أبو السمال، فيما ذكر الهذلي في كتابه الكامل، وأبو عمرو والداني‏:‏ برفعهما‏.‏ فأبشر‏:‏ مبتدأ، وواحد صفته، والخبر نتبعه‏.‏ ونقل ابن خالويه، وصاحب اللوامح، وابن عطية رفع أبشر ونصب واحداً عن أبي السمال‏.‏ قال صاحب اللوامح‏:‏ فأما رفع أبشر فبإضمار الخبر بتقدير‏:‏ أبشر منا يبعث إلينا، أو يرسل، أو نحوهما‏؟‏ وأما انتصاب واحداً فعلى الحال، إما مما قبله بتقدير‏:‏ أبشر كائن منا في الحال توحده، وإما مما بعده بمعنى‏:‏ نتبعه في توحده، أو في انفراده‏.‏

وقال ابن عطية‏:‏ ورفعه إما على إضمار فعل مبني للمفعول، التقدير‏:‏ أينبأ بشر‏؟‏ وإما على الابتداء، والخبر في قوله‏:‏ ‏{‏نتبعه‏}‏، وواحداً على هذه القراءة حال إما من الضمير في نتبعه، وإما من المقدر مع منا، كأنه يقول‏:‏ أبشر كائن منا واحداً‏؟‏ وفي هذا نظر‏.‏ وقولهم ذلك حسد منهم واستبعاد أن يكون نوع البشر يفضل بعضه بعضاً هذا الفضل، فقالوا‏:‏ نكون جمعاً ونتبع واحداً، ولم يعلموا أن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، ويفيض نور الهدى على من رضيه‏.‏ انتهى‏.‏

وقال الزمخشري‏:‏ فإن قلت‏:‏ كيف أنكروا أن يتبعوا بشراً منهم واحداً‏؟‏ قلت‏:‏ قالوا‏:‏ أبشراً إنكاراً‏؟‏ لأن يتبعوا مثلهم في الجنسية، وطلبوا أن يكونوا من جنس أعلى من جنس البشر، وهم الملائكة، وقالوا منا، لأنه إذا كان منهم، كانت المماثلة أقوى، وقالوا واحداً إنكاراً، لأن تتبع الأمة رجلاً واحداً، وأرادوا واحداً من أبنائهم ليس بأشرفهم ولا أفضلهم، ويدل عليه‏.‏ ‏{‏أألقي الذكرعليه من بيننا‏}‏‏:‏ أي أأنزل عليه الوحي من بيننا‏؟‏ وفينا من هو أحق منه بالاختيار للنبوة‏.‏ انتهى، وهو حسن، على أن فيه تحميل اللفظ ما لا يحتمله‏.‏ ‏{‏إنا إذا‏}‏‏:‏ أي إن اتبعناه، فنحن في ضلال‏:‏ أي بعد عن الصواب وحيرة‏.‏ وقال الضحاك‏:‏ في تيه‏.‏ وقال وهب‏:‏ بعد عن الحق، ‏{‏وسعر‏}‏‏:‏ أي عذاب، قاله ابن عباس‏.‏ وعنه وجنون يقال‏:‏ ناقة مسعورة إذا كانت تفرط في سيرها كأنها مجنونة، وقال الشاعر‏:‏

كأن بها سعراً إذا العيس هزها *** زميل وإزجاء من السير متعب

وقال قتادة‏:‏ وسعر‏:‏ عناء‏.‏ وقال ابن بحر‏:‏ وسعر جمع سعير، وهو وقود النار، أي في خطر كمن هو في النار‏.‏ انتهى‏.‏ وروي أنه كان يقول لهم‏:‏ إن لم تتبعوني، كنتم في ضلال عن الحق وسعر‏:‏ أي نيران، فعكسوا عليه فقالوا‏:‏ إن اتبعناك كنا إذاً كما تقول‏.‏ ثم زادوا في الإنكار والاستبعاد فقالوا‏:‏ ‏{‏أألقي‏}‏‏:‏ أي أأنزل‏؟‏ قيل‏:‏ وكأنه يتضمن العجلة في الفعل، والعرب تستعمل هذا الفعل، ومنه‏:‏ ‏{‏وألقَيت عليك محبة مني‏}‏ ‏{‏إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً‏}‏ والذكر هنا‏:‏ الوحي والرسالة وما جاءهم من الحكمة والموعظة‏.‏ ثم قالوا‏:‏ ليس الأمر كما تزعم بل هو القرآن‏.‏ ‏{‏أشر‏}‏‏:‏ أي بطر، يريد العلوّ علينا، وأن يقتادنا ويتملك طاعتنا‏.‏ وقرأ قتادة وأبو قلابة‏:‏ بل هو الكذاب الأشر، بلام التعريف فيهما وبفتح الشين وشد الراء، وكذا الأشر الحرف الثاني‏.‏ وقرأ الحرف الثاني مجاهد، فيما ذكر صاحب اللوامح وأبو قيس الأودي الأشر بثلاث ضمات وتخفيف الراء‏.‏ ويقال‏:‏ أشر وأشر، كحذر وحذر، فضمة الشين لغة وضم الهمزة تبع لضمة الشين‏.‏ وحكى الكسائي عن مجاهد‏:‏ ضم الشين‏.‏

وقرأ أبو حيوة‏:‏ هذا الحرف الآخر الأشر أفعل تفضيل، وإتمام خير، وشر في أفعل التفضيل قليل‏.‏ وحكى ابن الأنباري أن العرب تقول‏:‏ هو أخير وهو أشر‏.‏ قال الراجز‏.‏

بلال خير الناس وابن الأخير *** وقال أبو حاتم‏:‏ لا تكاد العرب تتكلم بالأخير والأشر إلا في ضرورة الشعر، وأنشد قول رؤبة بلال البيت‏.‏ وقرأ علي والجمهور‏:‏ سيعلمون بياء الغيبة، وهو من إعلام الله تعالى لصالح عليه السلام؛ وابن عامر وحمزة وطلحة وابن وثاب والأعمش‏:‏ بتاء الخطاب‏:‏ أي قل لهم يا صالح وعداً يراد به الزمان المستقبل، لا اليوم الذي يلي يوم خطابهم، فاحتمل أن يكون يوم العذاب الحال بهم في الدنيا، وأن يكون يوم القيامة، وقال الطرماح‏:‏

ألا عللاني قبل نوح النوائح *** وقبل اضطراب النفس بين الجوانح

وقبل غد يا لهف نفسي في غد *** إذا راح أصحابي ولست برائح

أراد وقت الموت، ولم يرد غداً بعينه‏.‏ وفي قوله‏:‏ ‏{‏سيعلمون غداً‏}‏ تهديد ووعيد ببيان انكشاف الأمر، والمعنى‏:‏ أنهم هم الكذابون الأشرون‏.‏ وأورد ذلك مورد الإبهام والاحتمال، وإن كانوا هم المعنيين بقوله تعالى، حكاية عن قول نوح عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏{‏فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه‏}‏ والمعنى به قومه، وكذا قول شعيب عليه السلام‏:‏ ‏{‏سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ومن هو كاذب‏}‏ وقول الشاعر‏:‏

فلئن لقيتك خاليين لتعلمن *** أني وأيك فارس الأحزاب

وإنما عنى أنه فارس الأحزاب، لا الذي خاطبه‏.‏ ‏{‏إنا مرسلوا الناقة فتنة لهم‏}‏‏:‏ أي ابتلاء واختباراً، وآنس بذلك صالحاً‏.‏ ولما هددهم بقوله‏:‏ ‏{‏سيعلمون غداً‏}‏، وكانوا قد ادعوا أنه كاذب، قالوا‏:‏ ما الدليل على صدقك‏؟‏ قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏إنا مرسلوا الناقة‏}‏‏:‏ أي مخرجوها من الهضبة التي سألوها‏.‏ ‏{‏فارتقبهم‏}‏‏:‏ أي فانتظرهم وتبصر ما هم فاعلون، ‏{‏واصطبر‏}‏ على أذاهم ولا تعجل حتى يأتي أمر الله‏.‏ ‏{‏ونبئهم أن الماء‏}‏‏:‏ أي ماء البئر الذي لهم، ‏{‏قسمة بينهم‏}‏‏:‏ أي بين ثمود وبين الناقة غلب ثمود، فالضمير في بينهم لهم وللناقة‏.‏ أي لهم شرب يوم، وللناقة شرب يوم‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ قسمة بكسر القاف؛ ومعاذ عن أبي عمرو‏:‏ بفتحها‏.‏ ‏{‏كل شرب محتضر‏}‏ أي محضور لهم وللناقة‏.‏ وتقدمت قصة الناقة مستوفاة، فأغنى عن إعادتها، وهنا محذوف، أي فكانوا على هذه الوتيرة من قسمة الماء، فملوا ذلك وعزموا على عقر الناقة‏.‏ ‏{‏فنادوا صاحبهم‏}‏، وهو قدار بن سالف، ‏{‏فتعاطى‏}‏‏:‏ هو مطاوع عاطى، وكأن هذه الفعلة تدافعها الناس وعاطاها بعضهم بعضاً، فتعاطاها قدار وتناول العقر بيده‏.‏ ولما كانوا راضين، نسب ذلك إليهم في قوله‏:‏ ‏{‏فعقروا الناقة‏}‏ وفي قوله‏:‏ ‏{‏فكذبوه فعقروها‏}‏ والصيحة التي أرسلت عليهم‏.‏

يروى أن جبريل عليه السلام صاح في طرف منازلهم، فتفتتوا وهمدوا وصاروا ‏{‏كهشيم المحتظر‏}‏ وهو ما تفتت وتهضم من الشجر‏.‏ والمحتظر‏:‏ الذي يعمل الحظيرة، فإنه تتفتت منه حالة العمل وتتساقط أجزاء مما يعمل به، أو يكون الهشيم ما يبس من الحظيرة بطول الزمان، تطأه البهائم فيتهشم‏.‏

وقرأ الجمهور‏:‏ بكسر الظاء؛ وأبو حيوة وأبو السمال وأبو رجاء وأبو عمرو بن عبيد‏:‏ بفتحها، وهو موضع الاحتظار‏.‏ وقيل‏:‏ هو مصدر، أي كهشيم الاحتظار، وهو ما تفتت حالة الاحتظار‏.‏ والحظيرة تصنعها العرب وأهل البوادي للمواشي والسكنى من الأغصان والشجر المورق والقصب‏.‏ والحظر‏:‏ المنع؛ وعن ابن عباس وقتادة، أن المحتظر هو المحترق‏.‏ قال قتادة‏:‏ كهشيم محترق؛ وعن ابن جبير‏:‏ هو التراب الذي يسقط من الحائط البالي‏.‏ وقيل‏:‏ المحتظر بفتح الظاء هو الهشيم نفسه، فيكون من إضافة الموصوف إلى صفته، كمسجد الجامع على من تأوله كذلك، وكان هنا قيل‏:‏ بمعنى صار‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏33- 55‏]‏

‏{‏كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ ‏(‏33‏)‏ إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آَلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ ‏(‏34‏)‏ نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ ‏(‏35‏)‏ وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ ‏(‏36‏)‏ وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ ‏(‏37‏)‏ وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ ‏(‏38‏)‏ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ ‏(‏39‏)‏ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآَنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ‏(‏40‏)‏ وَلَقَدْ جَاءَ آَلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ ‏(‏41‏)‏ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ ‏(‏42‏)‏ أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ ‏(‏43‏)‏ أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ ‏(‏44‏)‏ سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ‏(‏45‏)‏ بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ ‏(‏46‏)‏ إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ ‏(‏47‏)‏ يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ ‏(‏48‏)‏ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ‏(‏49‏)‏ وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ ‏(‏50‏)‏ وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ‏(‏51‏)‏ وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ ‏(‏52‏)‏ وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ ‏(‏53‏)‏ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ ‏(‏54‏)‏ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ‏(‏55‏)‏‏}‏

تقدمت قصة لوط عليه السلام وقومه‏.‏ والحاصب من الحصباء، وهو المعنيّ بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل‏}‏ ‏{‏إلا آل لوط‏}‏، قيل‏:‏ إلا ابنتاه، و‏{‏بسحر‏}‏‏:‏ هو بكرة، فلذلك صرف، وانتصب ‏{‏نعمة‏}‏ على أنه مفعول من أجله، أي نجيناهم لإنعامنا عليهم أو على المصدر، لأن المعنى‏:‏ أنعمنا بالتنجية إنعاماً‏.‏ ‏{‏كذلك نجزي‏}‏‏:‏ أي مثل ذلك الإنعام والتنجية نجزي ‏{‏من شكر‏}‏ إنعامنا وأطاع وآمن‏.‏ ‏{‏ولقد أنذرهم بطشتنا‏}‏‏:‏ أي أخذتنا لهم بالعذاب، ‏{‏فتماروا‏}‏‏:‏ أي تشككوا وتعاطوا ذلك، ‏{‏بالنذر‏}‏‏:‏ أي بالإنذار، أو يكون جمع نذير‏.‏ ‏{‏فطمسنا‏}‏، قال قتادة‏:‏ الطمس حقيقة جر جبريل عليه السلام على أعينهم جناحه، فاستوت مع وجوههم‏.‏ وقال أبو عبيدة‏:‏ مطموسة بجلد كالوجه‏.‏ قيل‏:‏ لما صفقهم جبريل عليه السلام بجناحه، تركهم يترددون لا يهتدون إلى الباب، حتى أخرجهم لوط عليه السلام‏.‏ وقال ابن عباس والضحاك‏:‏ هذه استعارة، وإنما حجب إدراكهم، فدخلوا المنزل ولم يروا شيئاً، فجعل ذلك كالطمس‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ فطمسنا بتخفيف الميم؛ وابن مقسم‏:‏ بتشديدها‏.‏ ‏{‏فذوقوا‏}‏‏:‏ أي فقلت لهم على ألسنة الملائكة‏:‏ ذوقوا‏.‏

‏{‏ولقد صبحهم بكرة‏}‏‏:‏ أي أول النهار وباكره، لقوله‏:‏ ‏{‏مشرقين‏}‏ و‏{‏مصبحين‏}‏ وقرأ الجمهور‏:‏ بكرة بالتنوين، أراد بكرة من البكر، فصرف‏.‏ وقرأ زيد بن علي‏:‏ بغير تنوين‏.‏ ‏{‏عذاب مستقر‏}‏‏:‏ أي لم يكشفه عنهم كاشف، بل اتصل بموتهم، ثم بما بعد ذلك من عذاب القبر، ثم عذاب جهنم‏.‏ ‏{‏فذوقوا عذابي ونذر‏}‏‏:‏ توكيد وتوبيخ ذلك عند الطمس، وهذا عند تصبيح العذاب‏.‏ قيل‏:‏ وفائدة تكرار هذا، وتكرار ‏{‏ولقد يسرنا‏}‏، التجرد عند استماع كل نبأ من أنباء الأولين، للاتعاظ واستئناف التيقظ إذا سمعوا الحث على ذلك لئلا تستولي عليهم الغفلة، وهكذا حكم التكرير لقوله‏:‏ ‏{‏فبأي آلاء ربكما تكذبان‏}‏ عند كل نعمة عدها في سورة الرحمن‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏ويل يومئذ للمكذبين‏}‏ عند كل آية أوردها في سورة والمرسلات، وكذلك تكرير القصص في أنفسها، لتكون العبرة حاضرة للقلوب، مذكورة في كل أوان‏.‏

‏{‏ولقد جاء آل فرعون النذر‏}‏‏:‏ هم موسى وهارون وغيرهما من الأنبياء، لأنهما عرضا عليهم ما أنذر به المرسلون، أو يكون جمع نذير المصدر بمعنى الإنذار‏.‏ ‏{‏كذبوا بآياتنا‏}‏ هي التسع، والتوكيد هنا كهو في قوله‏:‏ ‏{‏ولقد أريناه آياتنا كلها‏}‏ والظاهر أن الضمير في‏:‏ ‏{‏كذبوا‏}‏، وفي‏:‏ ‏{‏فأخذناهم‏}‏ عائد على آل فرعون‏.‏ وقيل‏:‏ هو عائد على جميع من تقدم من الأمم ذكره، وتم الكلام عند قوله‏:‏ ‏{‏النذر‏}‏‏.‏ ‏{‏فأخذناهم أخذ عزيز‏}‏‏:‏ لا يغالب، ‏{‏مقتدر‏}‏‏:‏ لا يعجز شيء‏.‏ ‏{‏أكفاركم‏}‏‏:‏ خطاب لأهل مكة، ‏{‏خير من أولئكم‏}‏‏:‏ الإشارة إلى قوم نوح وهود وصالح ولوط، وإلى فرعون، والمعنى‏:‏ أهم خير في القوّة وآلات الحروب والمكانة في الدنيا، أو أقل كفؤاً وعناداً‏؟‏ فلأجل كونهم خيراً لا يعاقبون على الكفر بالله، وقفهم على توبيخهم، أي ليس كفاركم خيراً من أولئكم، بل هم مثلهم أو شرّ منهم، وقد علمتم ما لحق أولئك من الهلاك المستأصل لما كذبوا الرسل‏.‏

‏{‏أم لكم براءة في الزبر‏}‏‏:‏ أي ألكم في الكتب الإلهية براءة من عذاب الله تعالى‏؟‏ قاله الضحاك وعكرمة وابن زيد‏.‏

‏{‏أم يقولون نحن جميع‏}‏ أي واثقون بجماعتنا، منتصرون بقوتنا، تقولون ذلك على سبيل الإعجاب بأنفسكم‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ أم يقولون، بياء الغيبة التفاتاً، وكذا ما بعده للغائب‏.‏ وقرأ أبو حيوة وموسى الأسواري وأبو البرهشيم‏:‏ بتاء الخطاب للكفار، اتباعا لما تقدم من خطابهم‏.‏ وقرأوا‏:‏ ستهزم الجمع، بفتح التاء وكسر الزاي وفتح العين، خطاباً للرسول صلى الله عليه وسلم؛ وأبو حيوة أيضاً ويعقوب‏:‏ بالنون مفتوحة وكسر الزاي وفتح العين؛ والجمهور‏:‏ بالياء مبنياً للمفعول، وضم العين‏.‏ وعن أبي حيوة وابن أبي عبلة أيضاً‏:‏ بفتح الياء مبنياً للفاعل ونصب العين‏:‏ أي سيهزم الله الجمع‏.‏ والجمهور‏:‏ ‏{‏ويولون‏}‏ بياء الغيبة؛ وأبو حيوة وداود بن أبي سالم، عن أبي عمرو‏:‏ بتاء الخطاب‏.‏ والدبر هنا‏:‏ اسم جنس، وجاء في موضع آخر ‏{‏ليولن الأدبار‏}‏ وهو الأصل، وحسن اسم الجنس هنا كونه فاصلة‏.‏ وقال الزمخشري‏:‏ ‏{‏ويولون الدبر‏}‏‏:‏ أي الأدبار، كما قال‏:‏ كلوا في بعض بطنكم تعفوا‏.‏ وقرئ‏:‏ الأدبار‏.‏ انتهى، وليس مثل بطنكم، لأن مجيء الدبر مفرداً ليس بحسن، ولا يحسن لإفراد بطنكم‏.‏ وفي قوله تعالى‏:‏ ‏{‏سيهزم الجمع‏}‏ عدة من الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم بهزيمة جمع قريش؛ والجمهور‏:‏ على أنها مكية، وتلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم مستشهداً بها‏.‏ وقيل‏:‏ نزلت يوم بدر‏.‏

‏{‏بل الساعة موعدهم‏}‏‏:‏ انتقل من تلك الأقوال إلى أمر الساعة التى عذابها أشد عليهم من كل هزيمة وقتال‏.‏ ‏{‏والساعة أدهى‏}‏‏:‏ أي أفظع وأشد، والداهية الأمر‏:‏ المنكر الذي لا يهتدى لدفعه، وهي الرزية العظمى تحل بالشخص‏.‏ ‏{‏وأمر‏}‏ من المرارة‏:‏ استعارة لصعوبة الشيء على النفس‏.‏ ‏{‏إن المجرمين في ضلال‏}‏‏:‏ أي في حيرة وتخبط في الدنيا‏.‏ ‏{‏وسعر‏}‏‏:‏ أي احتراق في الآخرة، جعلوا فيه من حيث مصيرهم إليه‏.‏ وقال ابن عباس‏:‏ وخسران وجنون، والسعر‏:‏ الجنون، وتقدم مثله في قصة صالح عليه السلام‏.‏ ‏{‏يوم يسحبون‏}‏‏:‏ يجرون ‏{‏في النار‏}‏، وفي قراءة عبد الله‏:‏ إلى النار‏.‏ ‏{‏على وجوههم ذوقوا‏}‏‏:‏ أي مقولاً لهم‏:‏ ‏{‏ذوقوا مس سقر‏}‏‏.‏ وقرأ محبوب عن أبي عمرو‏:‏ مسقر، بإدغام السين في السين‏.‏ قال ابن مجاهد‏:‏ إدغامه خطأ لأنه مشدد‏.‏ انتهى‏.‏ والظن بأبي عمرو أنه لم يدغم حتى حذف إحدى السينين لاجتماع الأمثال، ثم أدغم‏.‏

‏{‏إنا كل شيء خلقناه بقدر‏}‏، قراءة الجمهور‏:‏ كل شيء بالنصب‏.‏ وقرأ أبو السمال، قال ابن عطية وقوم من أهل السنة‏:‏ بالرفع‏.‏ قال أبو الفتح‏:‏ هو الوجه في العربية، وقراءتنا بالنصب مع الجماعة‏.‏ وقال قوم‏:‏ إذا كان الفعل يتوهم فيه الوصف، وأن ما بعده يصلح للخبر، وكان المعنى على أن يكون الفعل هو الخبر، اختير النصب في الاسم الأول حتى يتضح أن الفعل ليس بوصف، ومنه هذا الموضع، لأن في قراءة الرفع يتخيل أن الفعل وصف، وأن الخبر يقدر‏.‏

فقد تنازع أهل السنة والقدرية الاستدلال بهذه الآية‏.‏ فأهل السنة يقولون‏:‏ كل شيء فهو مخلوق لله تعالى بقدرة دليله قراءة النصب، لأنه لا يفسر في مثل هذا التركيب إلا ما يصح أن يكون خبراً لو وقع الأول على الابتداء‏.‏ وقالت القدرية‏:‏ القراءة برفع كل، وخلقناه في موضع الصفة لكل، أي إن أمرنا أو شأننا كل شيء خلقناه فهو بقدر أو بمقدار، على حد ما في هيئته وزمنه وغير ذلك‏.‏ وقال الزمخشري‏:‏ ‏{‏كل شيء‏}‏ منصوب بفعل مضمر يفسره الظاهر‏.‏ وقرئ‏:‏ كل شيء بالرفع، والقدر والقدر هو التقدير‏.‏ وقرئ‏:‏ بهما، أي خلقنا كل شيء مقدراً محكماً مرتباً على حسب ما اقتضته الحكمة، أو مقدراً مكتوباً في اللوح، معلوماً قبل كونه قد علمنا حاله وزمانه‏.‏ انتهى‏.‏ قيل‏:‏ والقدر فيه وجوه‏:‏ أحدها‏:‏ أن يكون بمعنى المقدار في ذاته وصفاته‏.‏ والثاني‏:‏ التقدير، قال تعالى‏:‏ ‏{‏فقدرنا فنعم القادرون‏}‏ وقال الشاعر‏:‏

وما قدّر الرحمن ما هو قادر *** أي ما هو مقدور‏.‏ والثالث‏:‏ القدر الذي يقال مع القضاء، يقال‏:‏ كان ذلك بقضاء الله وقدره، والمعنى‏:‏ أن القضاء ما في العلم، والقدر ما في الإرادة، فالمعنى في الآية‏:‏ ‏{‏خلقناه بقدر‏}‏‏:‏ أي بقدرة مع إرادة‏.‏ انتهى‏.‏ ‏{‏وما أمرنا إلا واحدة‏}‏‏:‏ أي إلا كلمة واحدة وهي‏:‏ كن كلمح بالبصر، تشبيه بأعجل ما يحس، وفي أشياء أمر الله تعالى أوحى من ذلك، والمعنى‏:‏ أنه إذا أراد تكوين شيء لم يتأخر عن إرادته‏.‏ ‏{‏ولقد أهلكنا أشياعكم‏}‏‏:‏ أي الفرق المتشايعة في مذهب ودين‏.‏ ‏{‏وكل شي فعلوه‏}‏‏:‏ أي فعلته الأمم المكذبة، محفوظ عليهم إلى يوم القيامة، قاله ابن عباس والضحاك وقتادة وابن زيد‏.‏ ومعنى ‏{‏في الزبر‏}‏‏:‏ في دواوين الحفظة‏.‏ ‏{‏وكل صغير وكبير‏}‏ من الأعمال، ومن كل ما هو كائن، ‏{‏مستطر‏}‏‏:‏ أي مسطور في اللوح‏.‏ يقال‏:‏ سطرت واستطرت بمعنى‏.‏ وقرأ الأعمش وعمران بن حدير وعصمة عن أبي بكر‏:‏ بشد راء مستطر‏.‏ قال صاحب اللوامح‏:‏ يجوز أن يكون من طرّ النبات، والشارب إذا ظهر وثبت بمعنى‏:‏ كل شيء ظاهر في اللوح مثبت فيه‏.‏ ويجوز أن يكون من الاستطار، لكن شدّد الراء للوقف على لغة من يقول‏:‏ جعفرّ ونفعلّ بالتشديد وقفاً‏.‏ انتهى، ووزنه على التوجيه الأول استفعل، وعلى الثاني افتعل‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ ونهر على الإفراد، والهاء مفتوحة؛ والأعرج ومجاهد وحميد وأبو السمال والفياض بن غزوان‏:‏ بسكونها، والمراد به الجنس، إن أريد به الأنهار، أو يكون معنى ونهر‏:‏ وسعة في الأرزاق والمنازل، ومنه قول قيس بن الحطيم‏:‏

ملكت بها كفي فأنهرت فتقها *** يرى قائم من دونها ما وراءها

أي‏:‏ أوسعت فتقها‏.‏ وقرأ زهير العرقبي والأعمش وأبو نهيك وأبو مجلز واليماني‏:‏ بضم النون والهاء، جمع نهر، كرهن ورهن، أو نهر كأسد وأسد، وهو مناسب لجمع جنات‏.‏ وقيل‏:‏ نهر جمع نهار، ولا ليل في الجنة، وهو بعيد‏.‏ ‏{‏في مقعد صدق‏}‏‏:‏ يجوز أن يكون ضد الكذب، أي في المقعد الذي صدقوا في الخبر به، وأن يكون من قولك‏:‏ رجل صدق‏:‏ أي خير وجود وصلاح‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ في مقعد، على الإفراد، يراد به اسم الجنس؛ وعثمان البتي‏:‏ في مقاعد على الجمع؛ وعند تدل على قرب المكانة من الله تعالى، والله تعالى أعلم‏.‏

سورة الرحمن

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 30‏]‏

‏{‏الرَّحْمَنُ ‏(‏1‏)‏ عَلَّمَ الْقُرْآَنَ ‏(‏2‏)‏ خَلَقَ الْإِنْسَانَ ‏(‏3‏)‏ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ‏(‏4‏)‏ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ ‏(‏5‏)‏ وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ ‏(‏6‏)‏ وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ ‏(‏7‏)‏ أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ ‏(‏8‏)‏ وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ ‏(‏9‏)‏ وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ ‏(‏10‏)‏ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ ‏(‏11‏)‏ وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ ‏(‏12‏)‏ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ‏(‏13‏)‏ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ ‏(‏14‏)‏ وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ ‏(‏15‏)‏ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ‏(‏16‏)‏ رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ ‏(‏17‏)‏ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ‏(‏18‏)‏ مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ ‏(‏19‏)‏ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ ‏(‏20‏)‏ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ‏(‏21‏)‏ يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ ‏(‏22‏)‏ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ‏(‏23‏)‏ وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآَتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ ‏(‏24‏)‏ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ‏(‏25‏)‏ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ‏(‏26‏)‏ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ‏(‏27‏)‏ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ‏(‏28‏)‏ يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ‏(‏29‏)‏ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ‏(‏30‏)‏‏}‏

‏{‏الرحمن علم القرآن‏}‏، فذكر ما نشأ عن صفة الرحمة، وهو تعليم القرآن الذي هو شفاء للقلوب‏.‏ والظاهر أن ‏{‏الرحمن‏}‏ مرفوع على الابتداء، ‏{‏وعلم القرآن‏}‏ خبره‏.‏ وقيل‏:‏ ‏{‏الرحمن‏}‏ آية بمضمر، أي الله الرحمن، أو الرحمن ربنا، وذلك آية؛ و‏{‏علم القرآن‏}‏ استئناف إخبار‏.‏ ولما عدّد نعمه تعالى، بدأ من نعمه بما هو أعلى رتبها، وهو تعليم القرآن، إذ هو عماد الدين ونجاة من استمسك به‏.‏

ولما ذكر تعليم القرآن ولم يذكر المعلم، ذكره بعد في قوله‏:‏ ‏{‏خلق الإنسان‏}‏، ليعلم أنه المقصود بالتعليم‏.‏ ولما كان خلقه من أجل الدين وتعليمه القرآن، كان كالسبب في خلقه تقدّم على خلقه‏.‏ ثم ذكر تعالى الوصف الذي يتميز به الإنسان من المنطق المفصح عن الضمير، والذي به يمكن قبول التعليم، وهو البيان‏.‏ ألا ترى أن الأخرس لا يمكن أن يتعلم شيئاً مما يدرك بالنطق‏؟‏ وعلم متعدّية إلى اثنين، حذف أولهما لدلالة المعنى عليه، وهو جبريل، أو محمد عليهما الصلاة والسلام، أو الإنسان، أقوال‏.‏ وتوهم أبو عبد الله الرازي أن المحذوف هو المفعول الثاني، قال‏:‏ فإن قيل‏:‏ لم ترك المفعول الثاني‏؟‏ وأجاب بأن النعمة في التعليم، لا في تعليم شخص دون شخص، كما يقال‏:‏ فلان يطعم الطعام، إشارة إلى كرمه، ولا يبين من يطعمه‏.‏ انتهى‏.‏ والمفعول الأول هو الذي كان فاعلاً قبل النقل بالتضعيف أو الهمزة في علم وأطعم‏.‏

وأبعد من ذهب إلى أن معنى ‏{‏علم القرآن‏}‏‏:‏ جعله علامة وآية يعتبر بها، وهذه جمل مترادفة، أخبار كلها عن الرحمن، جعلت مستقلة لم تعطف، إذ هي تعداد لنعمه تعالى‏.‏ كما تقول‏:‏ زيد أحسن إليك، خوّلك‏:‏ أشار بذكرك، والإنسان اسم جنس‏.‏ وقال قتادة الإنسان‏:‏ آدم عليه السلام‏.‏ وقال ابن كيسان‏:‏ محمد صلى الله عليه وسلم‏.‏ وقال ابن زيد والجمهور‏:‏ ‏{‏البيان‏}‏‏:‏ المنطق، والفهم‏:‏ الإبانة، وهو الذي فضل به الإنسان على سائر الحيوان‏.‏ وقال قتادة‏:‏ هو بيان الحلال والشرائع، وهذا جزء من البيان العام‏.‏ وقال محمد بن كعب‏:‏ ما يقول وما يقال له‏.‏ وقال الضحاك‏:‏ الخير والشر‏.‏ وقال ابن جريج‏:‏ الهدى‏.‏ وقال يمان‏:‏ الكتابة‏.‏ ومن قال‏:‏ الإنسان آدم، فالبيان أسماء كل شيء، أو التكلم بلغات كثيرة أفضلها العربية، أو الكلام بعد أن خلقه، أو علم الدنيا والآخرة، أو الاسم الأعظم الذي علم به كل شيء، أقوال، آخرها منسوب لجعفر الصادق‏.‏

ولما ذكر تعالى ما أنعم به على الإنسان من تعليمه البيان، ذكر ما امتن به من وجود الشمس والقمر، وما فيهما من المنافع العظيمة للإنسان، إذ هما يجريان على حساب معلوم وتقدير سوي في بروجهما ومنازلهما‏.‏ والحسبان مصدر كالغفران، وهو بمعنى الحساب، قاله قتادة‏.‏

وقال الضحاك وأبو عبيدة‏:‏ جمع حساب، كشهاب وشهبان‏.‏ قال ابن عباس وأبو مالك وقتادة‏:‏ لهما في طلوعهما وغروبهما وقطعهما البروج، وغير ذلك حسبانات شتى‏.‏ وقال ابن زيد‏:‏ لولا الليل والنهار لم يدر أحد كيف يحسب شيئاً يريد من مقادير الزمان‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ الحسبان‏:‏ الفلك المستدير، شبهه بحسبان الرحى، وهو العود المستدير الذي باستدارته تستدير المطحنة‏.‏ وارتفع الشمس على الابتداء وخبره بحسبان، فأما على حذف، أي جري الشمس والقمر كائن بحسبان‏.‏ وقيل‏:‏ الخبر محذوف، أي يجريان بحسبان، وبحسبان متعلق بيجريان، وعلى قول مجاهد‏:‏ تكون الباء في بحسبان ظرفية، لأن الحسبان عنده الفلك‏.‏

ولما ذكر تعالى ما أنعم به من منفعة الشمس والقمر، وكان ذلك من الآيات العلوية، ذكر في مقابلتهما من الآثار السفلية النجم والشجر، إذ كانا رزقاً للإنسان، وأخبر أنهما جاريان على ما أراد الله بهما، من تسخيرهما وكينونتهما على ما اقتضته حكمته تعالى‏.‏ ولما ذكر ما به حياة الأرواح من تعليم القرآن، ذكر ما به حياة الأشباح من النبات الذي له ساق، وكان تقديم النجم، وهو مالا ساق له، لأنه أصل القوت، والذي له ساق ثمره يتفكه به غالباً‏.‏ والظاهر أن النجم هو الذي شرحناه، ويدل عليه اقترانه بالشجر‏.‏ وقال مجاهد وقتادة والحسن‏:‏ النجم‏:‏ اسم الجنس من نجوم السماء‏.‏ وسجودهما، قال مجاهد والحسن‏:‏ ذلك في النجم بالغروب ونحوه، وفي الشجر بالظل واستدارته‏.‏ وقال مجاهد أيضاً‏:‏ والسجود تجوز، وهو عبارة عن الخضوع والتذلل‏.‏ والجمل الأول فيها ضمير يربطها بالمبتدأ، وأما في هاتين الجملتين فاكتفى بالوصل المعنوي عن الوصل اللفظي، إذ معلوم أن الحسبان هو حسبانه، وأن السجود له لا لغيره، فكأنه قيل‏:‏ بحسبانه ويسجدان له‏.‏ ولما أوردت هذه الجمل مورد تعديد النعم، رد الكلام إلى العطف في وصل ما يناسب وصله، والتناسب الذي بين هاتين الجملتين ظاهر، لأن الشمس والقمر علويان، والنجم والشجر سفليان‏.‏

‏{‏والسماء رفعها‏}‏‏:‏ أي خلقها مرفوعة، حيث جعلها مصدر قضاياه ومسكن ملائكته الذين ينزلون بالوحي على أنبيائه، ونبه بذلك على عظم شأنه وملكه‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏والسماء‏}‏، بالنصب على الاشتغال، روعي مشاكلة الجملة التي تليه وهي ‏{‏يسجدان‏}‏‏.‏ وقرأ أبو السمال‏:‏ والسماء بالرفع، راعى مشاكلة الجملة الابتدائية‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏ووضع الميزان‏}‏، فعلاً ماضياً ناصباً الميزان، أي أقره وأثبته‏.‏ وقرأ إبراهيم‏:‏ ووضع الميزان، بالخفض وإسكان الضاد‏.‏ والظاهر أنه كل ما يوزن به الأشياء وتعرف مقاديرها، وإن اختلفت الآلات، قال معناه ابن عباس والحسن وقتادة، جعله تعالى حاكماً بالسوية في الأخذ والإعطاء‏.‏ وقال مجاهد والطبري والأكثرون‏:‏ الميزان‏:‏ العدل، وتكون الآلات من بعض ما يندرج في العدل‏.‏ بدأ أولاً بالعلم، فذكر ما فيه أشرف أنواع العلوم وهو القرآن؛ ثم ذكر ما به التعديل في الأمور، وهو الميزان، كقوله‏:‏ ‏{‏وأنزلنا معهم الكتاب والميزان‏}‏، ليعلموا الكتاب ويفعلوا ما يأمرهم به الكتاب‏.‏

‏{‏أن لا تطغوا في الميزان‏}‏‏:‏ أي لأن لا تطغوا، فتطغوا منصوب بأن‏.‏ وقال الزمخشري‏:‏ أو هي أن المفسرة‏.‏ وقال ابن عطية‏:‏ ويحتمل أن تكون أن مفسرة، فيكون تطغوا جزماً بالنهي‏.‏ انتهى، ولا يجوز ما قالاه من أن أن مفسرة، لأنه فات أحد شرطيها، وهو أن يكون ما قبلها جملة فيها معنى القول‏.‏ ‏{‏ووضع الميزان‏}‏ جملة ليس فيها معنى القول‏.‏ والطغيان في الميزان هو أن يكون بالتعمد، وأما مالا يقدر عليه من التحرير بالميزان فمعفو عنه‏.‏

ولما كانت التسوية مطلوبة جداً، أمر الله تعالى فقال‏:‏ ‏{‏وأقيموا الوزن‏}‏‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏ولا تخسروا‏}‏، من أخسر‏:‏ أي أفسد ونقص، كقوله‏:‏ ‏{‏وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون‏}‏ أي ينقصون‏.‏ وبلال بن أبي بردة وزيد بن علي‏:‏ تخسر بفتح التاء، يقال‏:‏ خسر يخسر، وأخسر يخسر بمعنى واحد، كجبر وأجبر‏.‏ وحكى ابن جني وصاحب اللوامح، عن بلال‏:‏ فتح التاء والسين مضارع خسر بكسر السين، وخرجها الزمخشري على أن يكون التقدير‏:‏ في الميزان، فحذف الجار ونصب، ولا يحتاج إلى هذا التخريج‏.‏ ألا ترى أن خسر جاء متعدياً كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏خسروا أنفسهم‏}‏ و‏{‏خسر الدنيا والآخرة‏}‏‏؟‏ وقرئ أيضاً‏:‏ تخسروا، بفتح التاء وضم السين‏.‏ لما منع من الزيادة، وهي الطغيان، نهى عن الخسران الذي هو نقصان، وكرر لفظ الميزان، تشديداً للتوصية به وتقوية للأمر باستعماله والحث عليه‏.‏

ولما ذكر السماء، ذكر مقابلتها فقال‏:‏ ‏{‏والأرض وضعها للأنام‏}‏‏:‏ أي خفضها مدحوة على الماء لينتفع بها‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ والأرض بالنصب؛ وأبو السمال‏:‏ بالرفع‏.‏ والأنام، قال ابن عباس‏:‏ بنو آدم فقط‏.‏ وقال أيضاً هو وقتادة وابن زيد والشعبي‏:‏ الحيوان كله‏.‏ وقال الحسن‏:‏ الثقلان، الجن والإنس‏.‏ ‏{‏فيها فاكهة‏}‏‏:‏ ضروب مما يتفكه به‏.‏ وبدأ بقوله‏:‏ ‏{‏فاكهة‏}‏، إذ هو من باب الابتداء بالأدنى والترقي إلى الأعلى، ونكر لفظها، لأن الانتفاع بها دون الانتفاع بما يذكر بعدها‏.‏ ثم ثنى بالنخل، فذكر الأصل ولم يذكر ثمرتها، وهو الثمر لكثرة الانتفاع بها من ليف وسعف وجريد وجذوع وجمار وثمر‏.‏ ثم أتى ثالثاً بالحب الذي هو قوام عيش الإنسان في أكثر الأقاليم، وهو البر والشعير وكل ما له سنبل وأوراق متشعبة على ساقه، ووصفه بقوله‏:‏ ‏{‏ذو العصف‏}‏ تنبيهاً على إنعامه عليهم بما يقوتهم من الحب، ويقوت بهائمهم من ورقه الذي هو التبن‏.‏ وبدأ بالفاكهة وختم بالمشموم، وبينهما النخل والحب، ليحصل ما به يتفكه، وما به يتقوت، وما به تقع اللذاذة من الرائحة الطيبة‏.‏ وذكر النخل باسمها، والفاكهة دون شجرها، لعظم المنفعة بالنخل من جهات متعددة، وشجرة الفاكهة بالنسبة إلى ثمرتها حقيرة، فنص على ما يعظم به الانتفاع من شجرة النخل ومن الفاكهة دون شجرتها‏.‏

وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏والحب ذو العصف والريحان‏}‏، برفع الثلاثة عطفاً على المرفوع قبله؛ وابن عامر وأبو حيوة وابن أبي عبلة‏:‏ بنصب الثلاثة، أي وخلق الحب‏.‏

وجوزوا أن يكون ‏{‏والريحان‏}‏ حالة الرفع وحالة النصب على حذف مضاف، أي وذو الريحان حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه؛ وحمزة والكسائي والأصمعي، عن أبي عمرو‏:‏ والريحان بالجر، والمعنى‏:‏ والحب ذو العصف الذي هو علف البهائم، والريحان الذي هو مطعم الناس، ويبعد دخول المشموم في قراءة الجر، وريحان من ذوات الواو‏.‏ وأجاز أبو علي أن يكون اسماً، ووضع موضع المصدر، وأن يكون مصدراً على وزن فعلان كاللبان‏.‏ وأبدلت الواو ياء، كما أبدلوا الياء واواً في أشاوى، أو مصدراً شاذاً في المعتل، كما شذ كبنونة وبينونة، فأصله ريوحان، قلبت الواو ياء وأدغمت في الياء فصار ريحان، ثم حذفت عين الكلمة، كما قالوا‏:‏ ميت وهين‏.‏

ولما عدد تعالى نعمه، خاطب الثقلين بقوله‏:‏ ‏{‏فبأي آلاء ربكما تكذبان‏}‏، أي أن نعمه كثيرة لا تحصى، فبأيها تكذبان‏؟‏ أي من هذه نعمه لا يمكن أن يكذب بها‏.‏ وكان هذا الخطاب للثقلين، لأنهما داخلان في الأنام على أصح الأقوال‏.‏ ولقوله‏:‏ ‏{‏خلق الإنسان‏}‏، و‏{‏خلق الجان‏}‏؛ ولقوله‏:‏ ‏{‏سنفرغ لكم أيها الثقلان‏}‏، وقد أبعد من جعله خطاباً للذكر والأنثى من بني آدم‏.‏ وأبعد من هذا قول من قال‏:‏ إنه خطاب على حد قوله‏:‏ ‏{‏ألقيا في جهنم‏}‏ ويا حرسيّ اضربا عنقه، يعني أنه خطاب للواحد بصورة الاثنين، فبأي منوناً في جميع السورة، كأنه حذف منه المضاف إليه وأبدل منه ‏{‏آلاء ربكما‏}‏ بدل معرفة من نكرة، وآلاء تقدم في الأعراف أنها النعم، واحدها إلى وألا وإلى وألى‏.‏

‏{‏خلق الإنسان‏}‏‏:‏ لما ذكر العالم الأكبر من السماء والأرض وما أوجد فيها من النعم، ذكر مبدأ من خلقت له هذه النعم، والإنسان هو آدم، وهو قول الجمهور‏.‏ وقيل‏:‏ للجنس، وساغ ذلك لأن أباهم مخلوق من الصلصال‏.‏ وإذا أريد بالإنسان آدم، فقد جاءت غايات له مختلفة، وذلك بتنقل أصله؛ فكان أولاً تراباً، ثم طيناً، ثم حمأ مسنوناً، ثم صلصالاً، فناسب أن ينسب خلقه لكل واحد منها‏.‏ والجان هو أبو الجن، وهو إبليس، قاله الحسن‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ هو أبو الجن، وليس بإبليس‏.‏ وقيل‏:‏ الجان اسم جنس، والمارج‏:‏ ما اختلط من أصفر وأحمر وأخضر، أو اللهب، أو الخالص، أو الحمرة في طرف النار، أو المختلط بسواد، أو المضطرب بلا دخان، أقوال، ومن الأولى لابتداء الغاية، والثانية في ‏{‏من نار‏}‏ للتبعيض‏.‏ وقيل للبيان والتكرار في هذه الفواصل‏:‏ للتأكيد والتنبيه والتحريك، وهي موجودة في مواضع من القرآن‏.‏ وذهب قوم منهم ابن قتيبة إلى أن هذا التكرار إنما هو لاختلاف النعم، فكرر التوقيف في كل واحد منها‏.‏

وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏رب‏}‏، و‏{‏رب‏}‏ بالرفع، أي هو رب؛ وأبو حيوة وابن أبي عبلة‏:‏ بالخفض بدلاً من ربكما، وثنى المضاف إليه لأنهما مشرقا الصيف والشتاء ومغرباهما، قاله مجاهد‏.‏

وقيل‏:‏ مشرقا الشمس والقمر ومغرباهما‏.‏ وعن ابن عباس‏:‏ للشمس مشرق في الصيف مصعد، ومشرق في الشتاء منحدر، تنتقل فيهما مصعدة ومنحدرة‏.‏ انتهى‏.‏ فالمشرقان والمغربان للشمس‏.‏ وقيل‏:‏ المشرقان‏:‏ مطلع الفجر ومطلع الشمس، والمغربان مغرب الشفق ومغرب الشمس‏.‏ ولسهل التستري كلام في المشرقين والمغربين شبيه بكلام الباطنية المحرفين مدلول كلام الله، ضربنا عن ذكره صفحاً‏.‏ وكذلك ما وقفنا عليه من كلام الغلاة الذين ينسبون للصوفية، لأنا لا نستحل نقل شيء منه‏.‏ وقد أولغ صاحب كتاب التحرير والتحبير بحسب ما قاله هؤلاء الغلاة في كل آية آية، ويسمي ذلك الحقائق، وأرباب القلوب وما ادعوا فهمه في القرآن فأغلوا فيه، لم يفهمه عربي قط، ولا أراده الله تعالى بتلك الألفاظ، نعوذ بالله من ذلك‏.‏

‏{‏مرج البحرين‏}‏‏:‏ تقدم الكلام على ذلك في الفرقان‏.‏ قال ابن عطية‏:‏ وذكر الثعلبي في مرج البحرين ألغازاً وأقوالاً باطنة لا يلتفت إلى شيء منها‏.‏ انتهى، والظاهر التقاؤهما، أي يتجاوزان، فلا فصل بين الماءين في رؤية العين‏.‏ وقيل‏:‏ يلتقيان في كل سنة مرة‏.‏ وقيل‏:‏ معدان للالتقاء، فحقهما أن يلتقيا لولا البرزخ بينهما‏.‏ ‏{‏برزخ‏}‏‏:‏ أي حاجز من قدرة الله تعالى، ‏{‏لا يبغيان‏}‏‏:‏ لا يتجاوزان حدهما، ولا يبغي أحدهما على الآخر بالممارجة‏.‏ وقيل‏:‏ البرزخ‏:‏ أجرام الأرض، قاله قتادة؛ وقيل‏:‏ لا يبغيان‏:‏ أي على الناس والعمران، وعلى هذا والذي قبله يكون من البغي‏.‏ وقيل‏:‏ هو من بغى، أي طلب، فالمعنى‏:‏ لا يبغيان حالاً غير الحال التي خلقا عليها وسخرا لها‏.‏ وقيل‏:‏ ماء الأنهار لا يختلط بالماء الملح، بل هو بذاته باق فيه‏.‏ وقال ابن عطية‏:‏ والعيان لا يقتضيه‏.‏ انتهى، يعني أنه يشاهد الماء العذب يختلط بالملح فيبقي كله ملحاً، وقد يقال‏:‏ إنه بالاختلاط تتغير أجرام العذب حتى لا تظهر، فإذا ذاق الإنسان من الملح المنبث فيه تلك الأجزاء الدقيقة لم يحس إلا الملوحة، والمعقول يشهد بذلك، لأن تداخل الأجسام غير ممكن، لكن التفرق والالتقاء ممكن‏.‏ وأنشد القاضي منذر بن سعيد البلوطي، رحمه الله تعالى‏:‏

وممزوجة الأمواه لا العذب غالب *** على الملح طيباً لا ولا الملح يعذب

وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏يخرج‏}‏ مبنياً للفاعل؛ ونافع وأبو عمرو وأهل المدينة‏:‏ مبنياً للمفعول؛ والجعفي، عن أبي عمرو‏:‏ بالياء مضمومة وكسر الراء، أي يخرج الله؛ وعنه وعن أبي عمرو، وعن ابن مقسم‏:‏ بالنون‏.‏ واللؤلؤ والمرجان نصب في هاتين القراءتين‏.‏ والظاهر في ‏{‏منهما‏}‏ أن ذلك يخرج من الملح والعذب‏.‏ وقال بذلك قوم، حكاه الأخفش‏.‏ ورد الناس هذا القول، قالوا‏:‏ والحس يخالفه، إذ لا يخرج إلا من الملح، وعابوا قول الشاعر‏:‏

فجاء بها ما شئت من لطيمة *** على وجهها ماء الفرات يموج

وقال الجمهور‏:‏ إنما يخرج من الأجاج في المواضع التي تقع فيها الأنهار والمياه العذبة، فناسب إسناد ذلك إليهما، وهذا مشهور عند الغواصين‏.‏

وقال ابن عباس وعكرمة‏:‏ تكون هذه الأشياء في البحر بنزول المطر، لأن الصدف وغيرها تفتح أفواهها للمطر، فلذلك قال ‏{‏منهما‏}‏‏.‏ وقال أبو عبيدة‏:‏ إنما يخرج من الملح، لكنه قال ‏{‏منهما‏}‏ تجوزاً‏.‏ وقال الرماني‏:‏ العذب فيها كاللقاح للملح، فهو كما يقال؛ الولد يخرج من الذكر والأنثى‏.‏ وقال ابن عطية، وتبع الزجاج من حيث هما نوع واحد، فخروج هذه الأشياء إنما هي منهما، وإن كانت تختص عند التفصيل المبالغ بأحدهما، كما قال‏:‏ ‏{‏سبع سماوات طباقاً وجعل القمر فيهن نوراً‏}‏ وإنما هو في إحداهن، وهي الدنيا إلى الأرض‏.‏ وقال الزمخشري نحواً من قول ابن عطية، قال‏:‏ فإن قلت‏:‏ لم قال ‏{‏منهما‏}‏، وإنما يخرجان من الملح قلت‏:‏ لما التقيا وصارا كالشيء الواحد، جاز أن يقال‏:‏ يخرجان منهما، كما يقال‏:‏ يخرجان من البحر، ولا يخرجان من جميع البحر، ولكن من بعضه‏.‏ وتقول‏:‏ خرجت من البلد، وإنما خرجت من محلة من محالة، بل من دار واحدة من دوره‏.‏ وقيل‏:‏ لا يخرجان إلا من ملتقى الملح والعذب‏.‏ انتهى‏.‏ وقال أبو علي الفارسي‏:‏ هذا من باب حذف المضاف، والتقدير‏:‏ يخرج من أحدهما، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏على رجل من القريتين عظيم‏}‏ أي من إحدى القريتين‏.‏ وقيل‏:‏ هما بحران، يخرج من أحدهما اللؤلؤ ومن الآخر المرجان‏.‏ وقال أبو عبد الله الرازي‏:‏ كلام الله تعالى أولى بالاعتبار من كلام بعض الناس، ومن أعلم أن اللؤلؤ لا يخرج من الماء العذب، وهب أن الغواصين ما أخرجوه إلا من المالح‏.‏ ولكن لم قلتم إن الصدف لا يخرج بأمر الله من الماء العذب إلى الماء الملح وكيف يمكن الجزم به والأمور الأرضية الظاهرة خفيت عن التجار الذين قطعوا المفاوز وداروا البلاد، فكيف لا يخفى أمر ما في قعر البحر عليهم‏؟‏ واللؤلؤ، قال ابن عباس والضحاك وقتادة‏:‏ كبار الجوهر؛ والمرجان صغاره‏.‏ وعن ابن عباس أيضاً، وعلي ومرة الهمداني عكس هذا‏.‏ وقال أبو عبد الله وأبو مالك‏:‏ المرجان‏:‏ الحجر الأحمر‏.‏ وقال الزجاج‏:‏ حجر شديد البياض‏.‏ وحكي القاضي أبو يعلى أنه ضرب من اللؤلؤ، كالقضبان، والمرجان‏:‏ اسم أعجميّ معرب‏.‏ قال ابن دريد‏:‏ لم أسمع فيه نقل متصرف، وقال الأعشى‏:‏

من كل مرجانة في البحر أحرزها *** تيارها ووقاها طينها الصدف

قيل‏:‏ أراد اللؤلؤة الكبيرة‏.‏ وقرأ طلحة‏:‏ اللؤلؤء بكسر اللام الثالثة، وهي لغة‏.‏ وعبد اللولي‏:‏ تقلب الهمزة المتطرفة ياء ساكنة بعد كسرة ما قبلها، وهي لغة، قاله أبو الفضل الرازي‏.‏ ‏{‏وله الجوار‏}‏‏:‏ خص تعالى الجواري بأنها له، وهو تعالى له ملك السموات والأرض وما فيهن، لأنهم لما كانوا هم منشئيها، أسندها تعالى إليه، إذ كان تمام منفعتها إنما هو منه تعالى، فهو في الحقيقة مالكها‏.‏ والجواري‏:‏ السفن‏.‏ وقرأ عبد الله والحسن وعبد الوارث، عن أبي عمرو‏:‏ بضم الراء، كما قالوا في شاك شاك‏.‏

وقرأ الجمهور؛ ‏{‏المنشآت‏}‏ بفتح الشين، اسم مفعول‏:‏ أي أنشأها الله، أو الناس، أو المرفوعات الشراع‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ ما له شراع من المنشآت، وما لم يرفع له شراع، فليس من المنشآت‏.‏ والشراع‏:‏ القلع‏.‏ والأعمش وحمزة وزيد بن علي وطلحة وأبو بكر‏:‏ بخلاف عنه، بكسر الشين‏:‏ أي الرافعات الشراع، أو اللاتي ينشئن الأمواج بجريهن، أو التي تنشئ السفر إقبالاً وإدباراً‏.‏ وشدد الشين ابن أبي عبلة والحسن المنشأة، وحد الصفة، ودل على الجمع الموصوف، كقوله‏:‏ ‏{‏أزواج مطهرة‏}‏ وقلب الهمزة ألفاً على حد قوله‏:‏

إن السباع لتهدى في مرابضها *** يريد‏:‏ لتهدأ، التاء لتأنيث الصفة، كتبت تاء على لفظها في الوصل‏.‏ ‏{‏كالأعلام‏}‏‏:‏ أي كالجبال والآكام، وهذا يدل على كبر السفن حيث شبهها بالجبال، وإن كانت المنشآت تنطلق على السفينة الكبيرة والصغيرة‏.‏ وعبر بمن في قوله‏:‏ ‏{‏كل من عليها‏}‏ تغليباً لمن يعقل، والضمير في ‏{‏عليها‏}‏ قليل عائد على الأرض في قوله‏:‏ ‏{‏والأرض وضعها للأنام‏}‏، فعاد الضمير عليها، وإن كان بعد لفظها‏.‏ والفناء عبارة عن إعدام جميع الموجودات من حيوان وغيره، والوجه يعبر به عن حقيقة الشيء، والجارجة منتفية عن الله تعالى، ونحو كل شيء هالك إلا وجهه‏.‏ وتقول صعاليك مكة‏:‏ أين وجه عربي كريم يجود عليّ‏؟‏ وقرأ الجمهور‏:‏ ذو بالواو، وصفة للوجه؛ وأبي وعبد الله‏:‏ ذي بالياء، صفة للرب‏.‏ والظاهر أن الخطاب في قوله‏:‏ ‏{‏وجه ربك‏}‏ للرسول، وفيه تشريف عظيم له صلى الله عليه وسلم‏.‏ وقيل‏:‏ الخطاب لكل سامع‏.‏ ومعنى ‏{‏ذو الجلالِ‏}‏‏:‏ الذي يجله الموحدون عن التشبيه بخلقه وعن أفعالهم، أو الذي يتعجب من جلاله، أو الذي عنده الجلال والإكرام للمخلصين من عباده‏.‏

‏{‏يسأله من في السماوات والأرض‏}‏‏:‏ أي حوائجهم، وهو ما يتعلق بمن في السموات من أمر الدين وما استعبدوا به، ومن في الأرض من أمر دينهم ودنياهم‏.‏ وقال أبو صالح‏:‏ من في السموات‏:‏ الرحمة، وسن في الأرض‏:‏ المغفرة والرزق‏.‏ وقال ابن جريج‏:‏ الملائكة الرزق لأهل الأرض، والمغفرة وأهل الأرض يسألونهما جميعاً‏.‏ والظاهر أن قوله‏:‏ يسأله استئناف إخبار‏.‏ وقيل‏:‏ حال من الوجه، والعامل فيه يبقى، أي هو دائم في هذه الحال‏.‏ انتهى، وفيه بعد‏.‏ ومن لا يسأل، فحاله تقتضي السؤال، فيصح إسناد السؤال إلى الجميع باعتبار القدر المشترك، وهو الافتقار إليه تعالى‏.‏

‏{‏كل يوم‏}‏‏:‏ أي كل ساعة ولحظة، وذكر اليوم لأن الساعات واللحظات في ضمنه‏.‏ ‏{‏هو في شأن‏}‏، قال ابن عباس‏:‏ في شأن يمضيه من الخلق والرزق والإحياء والإماتة‏.‏ وقال عبيد بن عمير‏:‏ يجيب داعياً، ويفك عانياً، ويتوب على قوم، ويغفر لقوم‏.‏ وقال سويد بن غفلة‏:‏ يعتق رقاباً، ويعطي رغاماً ويقحم عقاباً‏.‏ وقال ابن عيينة‏:‏ الدهر عند الله يومان، أحدهما اليوم الذي هو مدة الدنيا، فشأنه فيه الأمر والنهى والإمانة والإحياء؛ والثاني الذي هو يوم القيامة، فشأنه فيه الجزاء والحساب‏.‏ وعن مقاتل‏:‏ نزلت في اليهود، فقالوا‏:‏ إن الله لا يقضي يوم السبت شيئاً‏.‏ وقال الحسين بن الفضل، وقد سأله عبد الله بن طاهر عن قوله‏:‏ ‏{‏كل يوم هو في شأن‏}‏‏:‏ وقد صح أن القلم جف بما هو كائن إلى يوم القيامة فقال‏:‏ شؤون يبديها، لا شؤون يبتديها‏.‏ وقال ابن بحر‏:‏ هو في يوم الدنيا في الابتلاء، وفي يوم القيامة في الجزاء‏.‏ وانتصب ‏{‏كل يوم‏}‏ على الظرف، والعامل فيه العامل في قوله‏:‏ ‏{‏في شأن‏}‏، وهو مستقر المحذوف، نحو‏:‏ يوم الجمعة زيد قائم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏31- 59‏]‏

‏{‏سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلَانِ ‏(‏31‏)‏ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ‏(‏32‏)‏ يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ ‏(‏33‏)‏ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ‏(‏34‏)‏ يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ ‏(‏35‏)‏ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ‏(‏36‏)‏ فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ ‏(‏37‏)‏ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ‏(‏38‏)‏ فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ ‏(‏39‏)‏ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ‏(‏40‏)‏ يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ ‏(‏41‏)‏ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ‏(‏42‏)‏ هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ ‏(‏43‏)‏ يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آَنٍ ‏(‏44‏)‏ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ‏(‏45‏)‏ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ‏(‏46‏)‏ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ‏(‏47‏)‏ ذَوَاتَا أَفْنَانٍ ‏(‏48‏)‏ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ‏(‏49‏)‏ فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ ‏(‏50‏)‏ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ‏(‏51‏)‏ فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ ‏(‏52‏)‏ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ‏(‏53‏)‏ مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ ‏(‏54‏)‏ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ‏(‏55‏)‏ فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ ‏(‏56‏)‏ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ‏(‏57‏)‏ كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ ‏(‏58‏)‏ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ‏(‏59‏)‏‏}‏

لما ذكر تعالى ما أنعم به من تعليم العلم وخلق الإنسان والسماء والأرض وما أودع فيهما وفناء ما على الأرض، ذكر ما يتعلق بأحوال الآخرة الجزاء وقال‏:‏ ‏{‏سنفرغ لكم‏}‏‏:‏ أي ننظر في أموركم يوم القيامة، لا أنه تعالى كان له شغل فيفرغ منه‏.‏ وجرى على هذا كلام العرب في أن المعنى‏:‏ سيقصد لحسابكم، فهو استعارة من قول الرجل لمن يتهدده‏:‏ سأفرغ لك، أي سأتجرد للإيقاع بك من كل ما شغلني عنه حتى لا يكون لي شغل سواه، والمراد التوفر على الانتقام منه‏.‏ قال ابن عطية‏:‏ ويحتمل أن يكون التوعد بعذاب في الدنيا، والأول أبين‏.‏ انتهى، يعني‏:‏ أن يكون ذلك يوم القيامة‏.‏ وقال الزمخشري‏:‏ ويجوز أن يراد ستنتهي الدنيا ويبلغ آخرها، وتنتهي عند ذلك شؤون الخلق التي أرادها بقوله‏:‏ ‏{‏كل يوم هو في شأن‏}‏، فلا يبقى إلا شأن واحد وهو جزاؤكم، فجعل ذلك فراغاً لهم على طريق المثل‏.‏ انتهى‏.‏ والذي عليه أئمة اللغة أن فرغ تستعمل عند انقضاء الشغل الذي كان الإنسان مشتغلاً به، فلذلك احتاج قوله إلى التأويل على أنه قد قد قيل‏:‏ إن فرغ يكون بمعنى قصد واهتم، واستدل على ذلك بما أنشده ابن الأنباري لجرير‏:‏

الآن وقد فرغت إلى نمير *** فهذا حين كنت لهم عذابا

أي‏:‏ قصدت‏.‏ وأنشد النحاس‏:‏

فرغت إلى العبد المقيد في الحجل *** وفي الحديث‏:‏ «فرغ ربك من أربع»، وفيه‏:‏ «لأتفرغن إليك يا خبيث»، يخاطب به رسول الله صلى الله عليه وسلم إرب العقبة يوم بيعتها‏:‏ أي لأقصدن إبطال أمرك، نقل هذا عن الخليل والكسائي والفراء‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ سنفرغ بنون العظمة وضم الراء، من فرغ بفتح الراء، وهي لغة الحجاز؛ وحمزة والكسائي وأبو حيوة وزيد بن علي‏:‏ بياء الغيبة؛ وقتادة والأعرج‏:‏ بالنون وفتح الراء، مضارع فرغ بكسرها، وهي تميمية؛ وأبو السمال وعيسى‏:‏ بكسر النون وفتح الراء‏.‏ قال أبو حاتم‏:‏ هي لغة سفلى مضر؛ والأعمش وأبو حيوة بخلاف عنهما؛ وابن أبي عبلة والزعفراني‏:‏ بضم الياء وفتح الراء، مبنياً للمفعول؛ وعيسى أيضاً‏:‏ بفتح النون وكسر الراء؛ والأعراج أيضاً‏:‏ بفتح الياء والراء، وهي رواية يونس والجعفي وعبد الوارث عن أبي عمرو‏.‏ والثقلان‏:‏ الإنس والجن، سميا بذلك لكونهما ثقيلين على وجه الأرض، أو لكونهما مثقلين بالذنوب، أو لثقل الإنس‏.‏ وسمي الجن ثقلاً لمجاورة الإنس، والثقل‏:‏ الأمر العظيم‏.‏ وفي الحديث‏:‏ «إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي»، سميا بذلك لعظمهما وشرفهما‏.‏

والظاهر أن قوله‏:‏ ‏{‏يا معشر‏}‏ الآية من خطاب الله إياهم يوم القيامة، ‏{‏يوم التناد‏}‏ وقيل‏:‏ يقال لهم ذلك‏.‏ قال الضحاك‏:‏ يفرون في أقطار الأرض لما يرون من الهول، فيجدون الملائكة قد أحاطت بالأرض، فيرجعون من حيث جاءوا، فحينئذ يقال لهم ذلك‏.‏

وقيل‏:‏ هو خطاب في الدنيا، والمعنى‏:‏ إن استطعتم الفرار من الموت‏.‏ وقال ابن عباس‏:‏ ‏{‏إن استطعتم‏}‏ بأذهانكم وفكركم، ‏{‏أن تنفذوا‏}‏، فتعلمون علم ‏{‏أقطار‏}‏‏:‏ أي جهات ‏{‏السماوات والأرض‏}‏‏.‏ قال الزمخشري‏:‏ ‏{‏يا معشر الجن والإنس‏}‏، كالترجمة لقوله‏:‏ ‏{‏أيها الثقلان‏}‏، ‏{‏إن استطعتم‏}‏ أن تهربوا من قضائي، وتخرجوا من ملكوتي ومن سمائي وأرضي فافعلوا؛ ثم قال‏:‏ لا تقدرون على النفوذ ‏{‏إلا بسلطان‏}‏، يعني‏:‏ بقوة وقهر وغلبة، وأنى لكم ذلك، ونحوه‏:‏ ‏{‏وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء‏}‏ انتهى‏.‏ ‏{‏فانفذوا‏}‏‏:‏ أمر تعجيز‏.‏ وقال قتادة‏:‏ السلطان هنا الملك، وليس لهم ملك‏.‏ وقال الضحاك أيضاً‏:‏ بينما الناس في أسواقهم، انفتحت السماء ونزلت الملائكة، فتهرب الجن والإنس، فتحدق بهم الملائكة‏.‏ وقرأ زيد بن علي‏:‏ إن استطعتما، على خطاب تثنية الثقلين ومراعاة الجن والإنس؛ والجمهور‏:‏ على خطاب الجماعة إن استطعتم، لأن كلاً منهما تحته أفراد كثيرة، كقوله‏:‏ ‏{‏وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا‏}‏ ‏{‏يرسل عليكم شواظ‏}‏، قال ابن عباس‏:‏ إذا خرجوا من قبورهم، ساقهم شواظ إلى المحشر‏.‏ والشواظ‏:‏ لهب النار‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ اللهب الأحمر المنقطع‏.‏ وقال الضحاك‏:‏ الدخان الذي يخرج من اللهب‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ شواظ، بضم الشين؛ وعيسى وابن كثير وشبل‏:‏ بكسرها‏.‏ والجمهور؛ ‏{‏ونحاس‏}‏‏:‏ بالرفع؛ وابن أبي إسحاق والنخعي وابن كثير وأبو عمرو‏:‏ بالجر؛ والكلبي وطلحة ومجاهد‏:‏ بكسر نون نحاس والسين‏.‏ وقرأ ابن جبير‏:‏ ونحس، كما تقول‏:‏ يوم نحس‏.‏ وقرأ عبد الرحمن بن أبي بكرة وابن أبي إسحاق أيضاً‏:‏ ونحس مضارعاً، وماضيه حسه، أي قتله، أي ويحس بالعذاب‏.‏ وعن ابن أبي إسحاق أيضاً‏:‏ ونحس بالحركات الثلاث في الحاء على التخيير؛ وحنظلة بن نعمان‏:‏ ونحس بفتح النون وكسر السين؛ والحسن وإسماعيل‏:‏ ونحس بضمتين والكسر‏.‏ وقرأ زيد بن علي‏:‏ نرسل بالنون، عليكما شواظاً بالنصب، من نار ونحاساً بالنصب عطفاً على شواظاً‏.‏ قال ابن عباس وابن جبير والنحاس‏:‏ الدخان؛ وعن ابن عباس أيضاً ومجاهد‏:‏ هو الصفر المعروف، والمعنى‏:‏ يعجز الجن والإنس، أي أنتما بحال من يرسل عليه هذا، فلا يقدر على الامتناع مما يرسل عليه‏.‏

‏{‏فإذا انشقت السماء‏}‏‏:‏ جواب إذا محذوف، أي فما أعظم الهول، وانشقاقها‏:‏ انفطارها يوم القيامة‏.‏ ‏{‏فكانت وردة‏}‏‏:‏ أي محمرة كالورد‏.‏ قال ابن عباس وأبو صالح‏:‏ هي من لون الفرس الورد، فأنث لكون السماء مؤنثة‏.‏ وقال قتادة‏:‏ هي اليوم زرقاء، ويومئذ تغلب عليها الحمرة كلون الورد، وهي النوار المعروف، قاله الزجاج، ويريد كلون الورد، وقال الشاعر‏:‏

فلو كانت ورداً لونه لعشقتني *** ولكن ربي شانني بسواديا

وقال أبو الجوزاء‏:‏ وردة صفراء‏.‏ وقال‏:‏ أما سمعت العرب تسمي الخيل الورد‏؟‏ قال الفراء‏:‏ أراد لون الفرس الورد، يكون في الربيع إلى الصفرة، وفي الشتاء إلى الحمرة، وفي اشتداد البرد إلى الغبرة، فشبه تلون السماء بتلون الوردة من الخيل، وهذا قول الكلبي‏.‏

‏{‏كالدهان‏}‏، قال ابن عباس‏:‏ الأديم الأحمر، ومنه قول الأعشى‏:‏

وأجرد من كرام الخير طرف *** كأن على شواكله دهاناً

وقال الشاعر‏:‏ كالدهان المختلفة، لأنها تتلون ألواناً‏.‏ وقال الضحاك‏:‏ كالدهان خالصة، جمع دهن، كقرط وقراط‏.‏ وقيل‏:‏ تصير حمراء من حرارة جهنم، ومثل الدهن لذوبها ودورانها‏.‏ وقيل‏:‏ شبهت بالدهان في لمعانها‏.‏ وقال الزمخشري‏:‏ ‏{‏كالدهان‏}‏‏:‏ كدهن الزيت، كما قال‏:‏ ‏{‏كالمهل‏}‏ وهو دردي الزيت، وهو جمع دهن، أو اسم ما يدهن به، كالحرام والأدام، قال الشاعر‏:‏

كأنهما مزادتا متعجل *** فريان لما سلعا بدهان

وقرأ عبيد بن عمير‏:‏ وردة بالرفع بمعنى‏:‏ فحصلت سماء وردة، وهو من الكلام الذي يسمى التجريد، كقوله‏:‏

فلئن بقيت لأرحلن بغزوة *** نحو المغانم أو يموت كريم

انتهى‏.‏

‏{‏فيومئذ‏}‏‏:‏ التنوين فيه للعوض من الجملة المحذوفة، والتقدير‏:‏ فيوم إذ انشقت السماء، والناصب ليومئذ ‏{‏لا يسأل‏}‏، ودل هذا على انتفاء السؤال، و‏:‏ ‏{‏وقفوهم أنهم مسئولون‏}‏ وغيره من الآيات على وقوع السؤال‏.‏ فقال عكرمة وقتادة‏:‏ هي مواطن يسأل في بعضها‏.‏ وقال ابن عباس‏:‏ حيث ذكر السؤال فهو سؤال توبيخ وتقرير، وحيث نفي فهي استخبار محض عن الذنب، والله تعالى أعلم بكل شيء‏.‏ وقال قتادة أيضاً‏:‏ كانت مسألة، ثم ختم على الأفواه وتكلمت الأيدي والأرجل بما كانوا يعملون‏.‏ وقال أبو العالية وقتادة‏:‏ لا يسأل غير المجرم عن ذنب المجرم‏.‏ وقرأ الحسن وعمرو بن عبيد‏:‏ ولا جأن بالهمز، فراراً من التقاء الساكنين، وإن كان التقاؤهما على حده‏.‏ وقرأ حماد بن أبي سليمان‏:‏ بسيمائهم؛ والجمهور‏:‏ ‏{‏بسيماهم‏}‏، وسيما المجرمين‏:‏ سواد الوجوه وزرقة العيون، قاله الحسن، ويجوز أن يكون غير هذا من التشويهات، كالعمى والبكم والصمم‏.‏ ‏{‏فيؤخذ بالنواصي والأقدام‏}‏، قال ابن عباس‏:‏ يؤخذ بناصيته وقدميه فيوطأ، ويجمع كالحطب، ويلقى كذلك في النار‏.‏ وقال الضحاك‏:‏ يجمع بينهما في سلسلة من وراء ظهره‏.‏ وقيل‏:‏ تسحبهم الملائكة، تارة تأخذ بالنواصي، وتارة بالأقدام‏.‏ وقيل‏:‏ بعضهم سحباً، بالناصية، وبعضهم سحباً بالقدم؛ ويؤخذ متعد إلى مفعول بنفسه، وحذف هذا الفاعل والمفعول، وأقيم الجار والمجرور مقام الفاعل مضمناً معنى ما يعدى بالباء، أي فيسحب بالنواصي والأقدام، وأل فيهما على مذهب الكوفيين عوض من الضمير، أي بنواصيهم وأقدامهم، وعلى مذهب البصريين الضمير محذوف، أي بالنواصي والأقدام منهم‏.‏

‏{‏هذه جهنم‏}‏‏:‏ أي يقال لهم ذلك على طريق التوبيخ والتقريع‏.‏ ‏{‏يطوفون بينها‏}‏‏:‏ أي يتردّدون بين نارها وبين ما غلى فيها من مائع عذابها‏.‏ وقال قتادة‏:‏ الحميم يغلي منذ خلق الله جهنم، وآن‏:‏ أي منتهى الحر والنضج، فيعاقب بينهم وبين تصلية النار، وبين شرب الحميم‏.‏ وقيل‏:‏ إذا استغاثوا من النار، جعل غياثهم الحميم‏.‏ وقيل‏:‏ يغمسون في واد في جهنم يجتمع فيه صديد أهل النار فتنخلع أوصالهم، ثم يخرجون منه، وقد أحدث الله لهم خلقاً جديداً‏.‏

وقرأ علي والسلمي‏:‏ يطافون؛ والأعمش وطلحة وابن مقسم‏:‏ يطوفون بضم الياء وفتح الطاء وكسر الواو مشددة‏.‏ وقرئ‏:‏ يطوفون، أي يتطوفون؛ والجمهور‏:‏ يطوفون مضارع طاف‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولمن خاف مقام ربه جنتان‏}‏، قال ابن الزبير‏:‏ نزلت في أبي بكر‏.‏ ‏{‏مقام ربه‏}‏ مصدر، فاحتمل أن يكون مضافاً إلى الفاعل، أي قيام ربه عليه، وهو مروي عن مجاهد، قال‏:‏ من قوله‏:‏ ‏{‏أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت‏}‏ أي حافظ مهيمن، فالعبد يراقب ذلك، فلا يجسر على المعصية‏.‏ وقيل‏:‏ الإضافة تكون بأدنى ملابسة، فالمعنى أنه يخاف مقامه الذي يقف فيه العباد للحساب، من قوله‏:‏ ‏{‏يوم يقوم الناس لرب العالمين‏}‏ وفي هذه الإضافة تنبيه على صعوبة الموقف‏.‏ وقيل‏:‏ مقام مقحم، والمعنى‏:‏ ولمن خاف ربه، كما تقول‏:‏ أخاف جانب فلان يعني فلاناً‏.‏ والظاهر أن لكل فرد فرد من الخائفين ‏{‏جَنَّتَانِ‏}‏، قيل‏:‏ إحداهما منزله، والأخرى لأزواجه وخدمه‏.‏ وقال مقاتل‏:‏ جنة عدن، وجنة نعيم‏.‏ وقيل‏:‏ منزلان ينتقل من أحدهما إلى الآخر لتتوفر دواعي لذته وتظهر ثمار كرامته‏.‏ وقيل‏:‏ هما للخائفين؛ والخطاب للثقلين، فجنة للخائف الجني، وجنة للخائف الإنسي‏.‏ وقال أبو موسى الأشعري‏:‏ جنة من ذهب للسابقين، وجنة من فضة للتابعين‏.‏ وقال الزمخشري‏:‏ ويجوز أن يقال‏:‏ جنة لفعل الطاعات، وجنة لترك المعاصي، لأن التكليف دائر عليهما‏.‏ وأن يقال‏:‏ جنة يبات بها، وأخرى تضم إليها على وجه التفضل لقوله وزيادة؛ وخص الأفنان بالذكر جمع فنن، وهي الغصون التي تتشعب عن فروع الشجر، لأنها التي تورق وتثمر، ومنها تمتد الظلال، ومنها تجنى الثمار‏.‏ وقيل‏:‏ الأفنان جمع فن، وهي ألوان النعم وأنواعها، وهي قول ابن عباس، والأول قال قريباً منه مجاهد وعكرمة، وهو أولى، لأن أفعالاً في فعل أكثر منه في فعل بسكون العين، وفن يجمع على فنون‏.‏

‏{‏فيهما عينان تجريان‏}‏، قال ابن عباس‏:‏ هما عينان مثل الدنيا أضعافاً مضاعفة‏.‏ وقال‏:‏ تجريان بالزيادة والكرامة على أهل الجنة‏.‏ وقال الحسن‏:‏ تجريان بالماء الزلال، إحداهما التسنيم، والأخرى السلسبيل‏.‏ وقال ابن عطية‏:‏ إحداهما من ماء، والأخرى من خمر‏.‏ وقيل‏:‏ تجريان في الأعالي والأسافل من جبل من مسك‏.‏ ‏{‏زوجان‏}‏، قال ابن عباس‏:‏ ما في الدنيا من شجرة حلوة ولا مرة إلا وهي في الجنة، حتى شجر الحنظل، إلا أنه حلواً‏.‏ انتهى‏.‏ ومعنى زوجان‏:‏ رطب ويابس، لا يقصر هذا عن ذاك في الطيب واللذة‏.‏ وقيل‏:‏ صنفان، صنف معروف، وصنف غريب‏.‏ وجاء الفصل بين قوله‏:‏ ‏{‏ذواتا أفنان‏}‏ وبين قوله‏:‏ ‏{‏فيهما من كل فاكهة‏}‏ بقوله‏:‏ ‏{‏فيهما عينان تجريان‏}‏‏.‏ والأفنان عليها الفواكه، لأن الداخل إلى البستان لا يقدم إلا للتفرج بلذة ما فيه بالنظر إلى خضرة الشجر وجري الأنهار، ثم بعد يأخذ في اجتناء الثمار للأكل‏.‏ وانتصب ‏{‏متكئين‏}‏ على الحال من قوله‏:‏ ‏{‏ولمن خاف‏}‏، وحمل جمعاً على معنى من‏.‏

وقيل‏:‏ العامل محذوف، أي يتنعمون متكئين‏.‏ وقال الزمخشري‏:‏ أي نصب على المدح، والاتكاء من صفات المتنعم الدالة على صحة الجسم وفراغ القلب، والمعنى‏:‏ ‏{‏متكئين‏}‏ في منازلهم ‏{‏على فرش‏}‏‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ وفرش بضمتين؛ وأبو حيوة‏:‏ بسكون الراء‏.‏ وفي الحديث‏:‏ «قيل لرسول لله صلى الله عليه وسلم هذه البطائن من استبرق، كيف الظهائر‏؟‏ قال‏:‏ هي من نور يتلألأ»، ولو صح هذا لم يجز أن يفسر بغيره‏.‏ وقيل‏:‏ من سندس‏.‏ قال الحسن والفراء‏:‏ البطائن هي الظهائر‏.‏ وروي عن قتادة، وقال الفراء‏:‏ قد تكون البطانة الظهارة، والظهارة البطانة، لأن كلاً منهما يكون وجهاً، والعرب تقول‏:‏ هذا وجه السماء، وهذا بطن السماء‏.‏

قال ابن عباس‏:‏ تجتنيه قائماً وقاعداً ومضطجعاً، لا يرد يده بعد ولا شوك وقرأ عيسى‏:‏ بفتح الجيم وكسر النون، كأنه أمال النون، وإن كانت الألف قد حذفت في اللفظ، كما أمال أبو عمرو ‏{‏حتى نرى الله‏}‏ وقرئ‏:‏ وجنى بكسر الجيم‏.‏ والضمير في ‏{‏فيهن‏}‏ عائد على الجنان الدال عليهن جنتان، إذ كل فرد فرد له جنتان، فصح أنها جنان كثيرة، وإن كان الجنتان أريد بهما حقيقة التثنية، وأن لكل جنس من الجن والإنس جنة واحدة، فالضمير يعود على ما اشتملت عليه الجنة من المجالس والقصور والمنازل‏.‏ وقيل‏:‏ يعود على الفرش، أي فيهن معدات للاستماع، وهو قول حسن قريب المأخذ‏.‏ وقال الزمخشري‏:‏ فيهن في هذه الآلاء المعدودة من الجنتين والعينين والفاكهة والجنى‏.‏ انتهى، وفيه بعد‏.‏ وقال الفراء‏:‏ كل موضع من الجنة جنة، فلذلك قال‏:‏ ‏{‏فيهن‏}‏، والطرف أصله مصدر، فلذلك وحد‏.‏ والظاهر أنهن اللواتي يقصرون أعينهن على أزواجهن، فلا ينظرن إلى غيرهم‏.‏ قال ابن زيد‏:‏ تقول لزوجها‏:‏ وعزة ربي ما أرى في الجنة أحسن منك‏.‏ وقيل‏:‏ الطرف طرف غيرهن، أي قصرن عيني من ينظر إليهن عن النظر إلى غيرهن‏.‏

‏{‏لم يطمثهن‏}‏، قال ابن عباس‏:‏ لم يفتضهن قبل أزواجهن‏.‏ وقيل‏:‏ لم يطأهن على أي وجه‏.‏ كان الوطء من افتضاض أو غيره، وهو قول عكرمة‏.‏ والضمير في ‏{‏قبلهم‏}‏ عائد على من عاد عليه الضمير في ‏{‏متكئين‏}‏‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ بكسر ميم يطمثهن في الموضعين؛ وطلحة وعيسى وأصحاب عبد الله وعليّ‏:‏ بالضم‏.‏ وقرأ ناس‏:‏ بضم الأول وكسر الثاني، وناس بالعكس، وناس بالتخيير، والجحدري‏:‏ بفتح الميم فيهما، ونفي وطئهن عن الإنس ظاهر وأما عن الجن، فقال مجاهد والحسن‏:‏ قد تجامع نساء البشر مع أزواجهن، إذ لم يذكر الزوج الله تعالى، فنفى هنا جميع المجامعين‏.‏ وقال ضمرة بن حبيب‏:‏ الجن في الجنة لهم قاصرات الطرف من الجن نوعهم، فنفي الافتضاض عن البشريات والجنيات‏.‏ قال قتادة‏:‏ ‏{‏كأنهن‏}‏ على صفاء الياقوت وحمرة المرجان، لو أدخلت في الياقوت سلكاً، ثم نظرت إليه، لرأيته من ورائه‏.‏ انتهى‏.‏ وفي الترمذي‏:‏ أن المرأة من نساء الجنة ليرى بياض ساقها من وراء سبعين حلة مخها‏.‏ وقال ابن عطية‏:‏ الياقوت والمرجان من الأشياء التى يرتاح بحسنها، فشبه بهما فيما يحسن التشبيه به، فالياقوت في إملاسه وشفوفه، والمرجان في إملاسه وجمال منظره، وبهذا النحو من النظر سمت العرب النساء بذلك، كدرة بنت أبي لهب، ومرجانة أم سعيد‏.‏ انتهى‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏60- 78‏]‏

‏{‏هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ ‏(‏60‏)‏ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ‏(‏61‏)‏ وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ ‏(‏62‏)‏ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ‏(‏63‏)‏ مُدْهَامَّتَانِ ‏(‏64‏)‏ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ‏(‏65‏)‏ فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ ‏(‏66‏)‏ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ‏(‏67‏)‏ فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ ‏(‏68‏)‏ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ‏(‏69‏)‏ فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ ‏(‏70‏)‏ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ‏(‏71‏)‏ حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ ‏(‏72‏)‏ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ‏(‏73‏)‏ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ ‏(‏74‏)‏ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ‏(‏75‏)‏ مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ ‏(‏76‏)‏ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ‏(‏77‏)‏ تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ‏(‏78‏)‏‏}‏

‏{‏هل جزاء الإحسان‏}‏ في العمل، ‏{‏إلا الإحسان‏}‏ في الثواب‏؟‏ وقيل‏:‏ هل جزاء التوحيد إلا الجنة‏؟‏ وقرأ ابن أبي إسحاق‏:‏ إلا الحسان يعني‏:‏ بالحسان الحور العين‏.‏ ‏{‏ومن دونهما‏}‏‏:‏ أي من دون تينك الجنتين في المنزلة والقدر، ‏{‏جنتان‏}‏ لأصحاب اليمين، والأوليان هما للسابقين، قاله ابن زيد والأكثرون‏.‏ وقال الحسن‏:‏ الأوليان للسابقين، والأخريان للتابعين‏.‏ وقال ابن عباس‏:‏ ‏{‏ومن دونهما‏}‏ في القرب للمنعمين، والمؤخرتا الذكر أفضل من الأوليين‏.‏ يدل على ذلك أنه وصف عيني هاتين بالنضخ، وتينك بالجري فقط؛ وهاتين بالدهمة من شدة النعمة، وتينك بالأفنان، وكل جنة ذات أفنان‏.‏ ورجح الزمخشري هذا القول فقال‏:‏ للمقربين جنتان من دونهم من أصحاب اليمين ادهامتا من شدة الخضرة، ورجح غيره القول الأول بذكر جري العينين والنضخ دون الجري، وبقوله فيهما‏:‏ ‏{‏من كل فاكهة‏}‏، وفي المتأخرتين‏:‏ ‏{‏فيهما فاكهة‏}‏، وبالاتكاء على ما بطائنه من ديباج وهو الفرش، وفي المتأخرتين الاتكاء على الرفرف، وهو كسر الخباء، والفرش المعدة للاتكاء أفضل، والعبقري‏:‏ الوشي، والديباج أعلى منه، والمشبه بالياقوت والمرجان أفضل في الوصف من خيرات حسان، والظاهر النضخ بالماء، وقال ابن جبير‏:‏ بالمسك والعنبر والكافور في دور أهل الجنة، كما ينضخ رش المطر‏.‏ وعنه أيضاً بأنواع الفواكه والماء‏.‏ ‏{‏ونخل ورمان‏}‏ عطف فاكهة، فاقتضى العطف أن لا يندرجا في الفاكهة، قاله بعضهم‏.‏ وقال يونس بن حبيب وغيره‏:‏ كررهما وهما من أفضل الفاكهة تشريفاً لهما وإشارة بهما، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وملائكته ورسله وجبريل وميكال‏}‏ وقيل‏:‏ لأن النخل ثمره فاكهة وطعام، والرمان فاكهة ودواء، فلم يخلصا للتفكه‏.‏

‏{‏فيهن خيرات‏}‏، جمع خيرة‏:‏ وصف بني على فعلة من الخير، كما بنوا من الشر فقالوا‏:‏ شرة‏.‏ وقيل‏:‏ مخفف من خيرة، وبه قرأ بكر بن حبيب وأبو عثمان النهدي وابن مقسم، أي بشدّ الياء‏.‏ وروي عن أبي عمرو بفتح الياء، كإنه جمع خايرة، جمع على فعلة، وفسر الرسول صلى الله عليه وسلم لأم سلمة ذلك فقال‏:‏ «خيرات الأخلاق حسان الوجوه» ‏{‏حور مقصورات‏}‏‏:‏ أي قصرن في أماكنهن، والنساء تمدح بذلك، إذ ملازمتهن البيوت تدل على صيانتهن، كما قال قيس بن الأسلت‏:‏

وتكسل عن جاراتها فيزرنها *** وتغفل عن أبياتهن فتعذر

قال الحسن‏:‏ لسن بطوافات في الطرق، وخيام الجنة‏:‏ بيوت اللؤلؤ‏.‏ وقال عمر بن الخطاب‏:‏ هي در مجوف، ورواه عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ ‏{‏لم يطمثهن إنس قبلهم‏}‏‏:‏ أي قبل أصحاب الجنتين، ودل عليهم ذكر الجنتين‏.‏ ‏{‏متكئين‏}‏، قال الزمخشري‏:‏ نصب على الاختصاص‏.‏ ‏{‏على رفرف‏}‏، قال ابن عباس وغيره‏:‏ فضول المجلس والبسط‏.‏ وقال ابن جبير‏:‏ رياض الجنة من رف البيت تنعم وحسن‏.‏ وقال ابن عيينة‏:‏ الزرابي‏.‏ وقال الحسن وابن كيسان‏:‏ المرافق‏.‏

وقرأ الفراء وابن قتيبة‏:‏ المجالس‏.‏ وعبقري، قال الحسن‏:‏ بسط حسان فيها صور وغير ذلك يصنع بعبقر‏.‏ وقال ابن عباس‏:‏ الزرابي‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ الديباج الغليظ‏.‏ وقال ابن زيد‏:‏ الطنافس‏.‏ قال الفراء‏:‏ الثخان منها‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏على رفرف‏}‏، ووصف بالجمع لأنه اسم جنس، الواحد منها رفرفة، واسم الجنس يجوز فيه أن يفرد نعته وأن يجمع لقوله‏:‏ ‏{‏والنخل باسقات‏}‏ وحسن جمعه هنا مقابلته لحسان الذي هو فاصلة‏.‏ وقال صاحب اللوامح، وقرأ عثمان بن عفان، ونصر بن عاصم، والجحدري، ومالك بن دينار، وابن محيصن، وزهير العرقبي وغيره‏:‏ رفارف جمع لا ينصرف، خضر بسكون الضاد، وعباقري بكسر القاف وفتح الياء مشددة؛ وعنهم أيضاً‏:‏ ضم الضاد؛ وعنهم أيضاً‏:‏ فتح القاف‏.‏ قال‏:‏ فأما منع الصرف من عباقري، وهي الثياب المنسوبة إلى عبقر، وهو موضع تجلب منه الثياب على قديم الأزمان، فإن لم يكن بمجاورتها، وإلا فلا يكون يمنع التصرف من ياءي النسب وجه إلا في ضرورة الشعر‏.‏ انتهى‏.‏ وقال ابن خالويه‏:‏ على رفارف خضر، وعباقري النبي صلى الله عليه وسلم والجحدري وابن محيصن‏.‏ وقد روي عمن ذكرنا على رفارف خضر وعباقري بالصرف، وكذلك روي عن مالك بن دينار‏.‏ وقرأ أبو محمد المروزي، وكان نحوياً‏:‏ على رفارف خضار، يعني‏:‏ على وزن فعال‏.‏ وقال صاحب الكامل‏:‏ رفارف جمع، عن ابن مصرف وابن مقسم وابن محيصن، واختاره شبل وأبو حيوة والجحدري والزعفراني، وهو الاختيار لقوله‏:‏ ‏{‏خضر‏}‏، وعباقري بالجمع وبكسر القاف من غير تنوين، ابن مقسم وابن محيصن، وروي عنهما التنوين‏.‏ وقال ابن عطية، وقرأ زهير العرقبي‏:‏ رفارف بالجمع والصرف، وعنه‏:‏ عباقري بفتح القاف والياء، على أن اسم الموضع عباقر بفتح القاف، والصحيح في اسم الموضع عبقر‏.‏ انتهى‏.‏ وقال الزمخشري، وروى أبو حاتم‏:‏ عباقري بفتح القاف ومنع الصرف، وهذا لا وجه لصحته‏.‏ انتهى‏.‏ وقد يقال‏:‏ لما منع الصرف رفارف، شاكله في عباقري، كما قد ينون ما لا ينصرف للمشاكلة، يمنع من الصرف للمشاكلة‏.‏ وقرأ ابن هرمز‏:‏ خضر بضم الضاد‏.‏ قال صاحب اللوامح‏:‏ وهي لغة قليلة‏.‏ انتهى، ومنه قول طرفة‏:‏

أيها الفتيان في مجلسنا *** جردوا منها وراداً وشقر

وقال آخر‏:‏

وما انتميت إلى خور ولا كسف *** ولا لئام غداة الروع أوزاع

فشقر جمع أشقر، وكسف جمع أكسف‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏ذي الجلال‏}‏‏:‏ صفة لربك؛ وابن عامر وأهل الشام‏:‏ ذو صفة للاسم، وفي حرف‏.‏ أبي عبد الله وأبيّ‏:‏ ذي الجلال، كقراءتهما في الموضع الأول، والمراد هنا بالاسم المسمى‏.‏ وقيل‏:‏ اسم مقحم، كالوجه في ‏{‏ويبقى وجه ربك‏}‏، ويدل عليه إسناد ‏{‏تبارك‏}‏ لغير الاسم في مواضع، كقوله‏:‏ ‏{‏تبارك الله أَحسن الخالقين‏}‏ ‏{‏تبارك الذي إن شاء‏}‏ ‏{‏تبارك الذي بيده الملك‏}‏‏.‏ وقد صح الإسناد إلى الاسم لأنه بمعنى العلو، فإذا علا الاسم، فما ظنك بالمسمى‏؟‏

ولما ختم تعالى نعم الدنيا بقوله‏:‏ ‏{‏ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام‏}‏، ختم نعم الآخرة بقوله‏:‏ ‏{‏تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام‏}‏ وناسب هنالك ذكر البقاء والديمومة له تعالى، إذ ذكر فناء العالم؛ وناسب هنا ذكر ما اشتق من البركة، وهي النمو والزيادة، إذ جاء ذلك عقب ما امتن به على المؤمنين، وما آتاهم في دار كرامته من الخير وزيادته وديمومته، ويا ذا الجلال والإكرام من الصفات التي جاء في الحديث أن يدعى الله بها، قال صلى الله عليه وسلم‏:‏ «ألظوا بيا ذا الجلال والإكرام»‏.‏